الأحد، 10 فبراير، 2013

إصلاح التقاعد قضية وطنية ولكن ليس على حساب فئات دون أخرى

بتاريخ : 20:01



موضوع التقاعد هو حديث الساعة في كل القطاعات العامة والخاصة بالمغرب بعد أن كثر الحديث حول  ما سمي إصلاح  هذا التقاعد الذي اختلف حوله الرأي العام اختلافا كبيرا. وأود في البداية أن أخوض في الجانب اللغوي والاصطلاحي لكلمة تقاعد لأن البعض يتشاءم منها ويؤثر عليها كلمة معاش إلا أن فريقا آخر فضلا عن تشاؤمه من كلمة تقاعد ، يعتبر كلمة معاش قدحية أيضا  ، ولا يجد بديلا عنهما يدفع التشاؤم والقدح معا . فكلمة تقاعد من فعل قعد يقعد قعودا ومقعدا إذا كان واقفا فجلس .

 وفعل قعد من الأفعال التي تعني الشيء ونقيضه  إذ يعني أيضا قام وهي نقيض جلس . ومنه أقعد الرجل إذا أجلسه وإذا أقامه أيضا . ومنه القعدة ـ بضم القاف وفتح العين ـ وهو كثير القعود أو قعدي ـ بضم القاف  وتسكين العين . وتسمى المرأة  قعيدة لقعودها في البيت . والقعاد ـ بضم القاف ـ داء يقعد من يصيبه  ويسمى المصاب  مقعدا ـ بضم الميم وتسكين القاف ـ ومنه القاعد أو القعدد ـ بضم القاف  وتسكين العين ـ أو القعدودة ـ بضم القاف وتسكين العين ـ  وهو الذي لا يخرج إلى الحرب أو هو الجبان . أما في الاصطلاح  فالتقاعد هو إخراج الإنسان من  منصبه أو عمله أو تسريحه منه مع تعيين مبلغ من المال له يكفيه لمعاشه . وعند استعراض  الدلالات اللغوية لفعل قعد خصوصا السلبية الدالة على علة أو عيب  كقولهم  قعد عن حاجته  إذا تأخر، وأقعده عن الشيء إذا حبسه عنه … نتفهم جيدا  لماذا يرفض البعض لفظة تقاعد ومتقاعد التي تصير نذير شؤم بالنسبة إليهم مع أن العرب  تقول : “قعيدك الله  وقعدك الله ” بمعنى ناشدتك الله أو حفظك الله . أما لفظة معاش فهي من فعل  عاش يعيش عيشا وعيشة ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشوشة  إذا صار ذا حياة . ومنه أعاشه إذا جعله يعيش  ويحيى. والعيشة هي حالة الإنسان في حياته . ويقال رجل عائش إذا كانت حالته حسنة. والمعاش هو ما يعاش به من مطعم ومشرب ، أو كل ما تكون به الحياة . ويرفض البعض أيضا لفظة معاش لأنها توحي بنوع من الاستجداء أو الصدقة حين  يوفر المعاش أو العيش لمن يسرح من عمله ،علما بأن المسرح من عمله إنما يصرف له ما تم ادخاره من عرق جبينه حين كان يعمل ، ولا يتصدق عليه بشيء . والمعاش اصطلاحا هو المبلغ المالي الذي يقدم للمتقاعد  شهريا . وهكذا نجد أنه لا مندوحة عن استعمال اللفظتين معا فالتقاعد يعني التوقف عن الخدمة أو العمل ، والمعاش يعني الحصول على مبلغ من المال تم ادخاره أثناء سنوات الخدمة ليصرف شهريا .

 ولا عيب  في استعمال اللفظتين إلا إذا أصر البعض على تحميلهما ما لا يحتملان من دلالة ، ولا يكون ذلك في الغالب إلا عند جاهل واضح الجهل  بالعربية . وقبل الخوض في  موضوع إصلاح التقاعد قضية وطنية  ، وهو شعار  قد يوحي  بأن الذين يرفضون هذا الإصلاح مشكوك في وطنيتهم  ، والوطنية لا مزايدة فيها إنما تكون المزايدة عندما تتضارب المصالح  ، والمصالح متضاربة لا محالة  لاختلاف الناس ، والناس لا يزالون مختلفين حتى تقوم القيامة ولذلك خلقهم الله عز وجل، أود أن أثير الانتباه إلى  سبب التقاعد الذي هو بلوغ الإنسان  عمرا معينا يجعله غير قادر على ممارسة عمله على الوجه المطلوب  بعدما أصابه الضعف بعد قوة وشدة . فالمعلوم أن   منتهى قوة الإنسان وشدته  يكون في سن  الأربعين لقول الخالق سبحانه وهو الخبير العليم : (( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة )) الشيء الذي يعني أن ما بعد الأربعين يعد عدا عكسيا لقوة الإنسان الجسدية والعقلية والعاطفية . فالذي قرر سن التقاعد في الستين من العمر لا شك أنه وضع في حسابه أن هذه السن  تعني عشرين سنة من العد العكسي  في اتجاه الضعف والخور ، وهي  نصف مدة سن القوة والشدة .

 ولا شك أن البالغ سن الثمانين يعدل سن ضعفه سن قوته وشدته  ، وذلك قليل في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذين تتراوح أعمارهم بين الستين والسبعين ولا يزيد عن ذلك إلا قليل كما جاء في الأثر .  وإذا كان القعود لغة هو الجلوس وهو نقيض القيام والوقوف ،فلا شك أن  الذي   يقضي نصف مدة بلوغه سن القوة والشدة  وهي عشرين سنة  بعد الأربعين واقفا لا يطيق  القيام بعمله على الوجه المطلوب ، فيقعده العمر أي  يجلسه أو يريحه من الوقوف  والقيام ، بل من دلالة أقعد أيضا الخدمة  حيث يقال فلان أقعد فلانا إذا خدمه . والذين  فكروا في التقاعد في سن الستين إنما وضعوا  نصب أعينهم حاجة العمل إلى القدرة الكاملة . أما الذين يثيرون اليوم موضوع إصلاح التقاعد، فهاجسهم هو ما حل بصندوق التقاعد من نهب وسلب سرعان ما تبخر الناهبون له وصاروا عفاريت لا طاقة لأحد بملاحقتهم ومحاسبتهم ، فاتجه التفكير نحو من يسدوا مسد  الضحايا لتعويض ما نهب وسلب الناهبون العفاريت . فالمعلوم أن  معاش المتقاعدين هو عبارة عن اقتطاعات من رواتبهم خلال  مدد عملهم ، وليس صدقة تعطى لهم. فإذا كان الناهبون العفاريت  قد أكلوا عرق  المتقاعدين السابقين ، فما ذنب المتقاعدين اللاحقين  الذين  يفكر المسؤولون اليوم في تمديد  مدد أعمالهم أكثر من مدد أعمال السابقين  لهم من أجل توفير الأرصدة التي يجب أن تصرف كمعاشات لأفواج متلاحقة من المتقاعدين ؟  

أجل إصلاح التقاعد قضية  وطنية ، وليس من حق أحد أن  يزايد على غيره في الوطنية  إلا  أن  التضحية  لا يمكن أن  تسمى كذلك إلا إذا عمت الجميع . ولا يعقل أن  يضحى بفئة من الشعب  من أجل فئة أخرى ، ولا  يمكن أن تصح فلسفة : ” مصائب  قوم عند قوم فوائد ” لا شرعا ولا عرفا ولا حتى خيالا ووهما . فعلى الحكومة  أن  تفكر في النفير لا في العير ، وأن تواجه الأطراف ذات الشوكة وعلى رأسها العفاريت الذين نهبوا صناديق المعاشات  ومحاسبتهم ومقاضاتهم عوض التفكير  في  الأطراف الهشة والسهلة والسائغة. فعندما  تسترجع أموال صناديق التقاعد المنهوبة  ولا تكفي لحل المشكل  حينئذ  سيبدأ التفكير في  التضحية بالعمر وزيادة سنوات الخدمة  من أجل توفير الناقص في مبالغ صناديق المعاشات . وأخيرا أريد أن ألفت أنظار الرأي العام إلى  قضية  مساواة النساء بالرجال في سن التقاعد  مع أن الخالق سبحانه جعل  لكل جنس  وسعه وقدرته حسب خلقته .

 فالغريب أن الاختلاف البيولوجي بين المرأة والرجل جعل  الناس  في  المجالات التي تتطلب جهدا عضليا التمييز بين  وسع وطاقة كل منهما ، فعلى سبيل المثال لا الحصر تختلف  ممارسة كل أنواع الرياضات عند النساء عنها عند الرجال ، ولكل مقاييسه  وأرقامه القياسية إلا أنه في مجال العمل تتوحد المقاييس مع اختلاف الوسع الواضح ، و لا يقع هذا التمييز المفروض جبلة وطبيعة بين الجنسين ، علما  بأن  القعائد ومفردها القعيدة هن ربات البيوت ، وكان الأجدر أن  تحترم هذه الصفة الطبيعية فيهن  ، وبموجبها  تراجع سن التقاعد عندهن  ، وذلك  قضية  وطنية أيضا  للذين يرفعون شعار القضايا الوطنية  ولكن  بمنطق  الحق الذي يراد به باطل ، ودأب الحق   أن يجيء دائما بعد غياب،  كما أن دأب الباطل أن  يزهق دائما  بعد طول مقام  لأنه زهوق بطبيعته ، وسيظل الباطل  باطلا حتى لو بهرج بالتدين المغشوش  تماما كما أن الذئب  يظل ذئبا حتى لو طبخ بالزبدة والزبيب كما يقول المثل العامي المغربي.

محمد شركي



التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi