السبت، 23 مارس، 2013

التعليم العمومي بين الورثة والممنوحين

بتاريخ : 18:31





الطابع الجماهيري للتعليم الذي وجدت الدولة نفسها مطلع التسعينات من القرن الماضي، مجبرة من طرف المؤسسات الدولية على إتباعه، هذا الطابع الجماهيري، لا تتقبله فئات عريضة من المدرسين المنحدرين من الفئات الاجتماعية الشبه محظوظة. شرائح كثيرة من المدرسين الذين يشتغلون حاليا في قطاع التعليم العمومي معظمهم ينحدرون من فئات اجتماعية متوسطة وتلقوا تعليمهم وتكوينهم في إطار نخبوي نسبيا ضيق وليس في إطار جماهيري موسع كما هو الحال عليه الآن حيث يتجاوز عدد التلاميذ بداخل القسم أربعون تلميذا. الطابع الفئوي النخبوي للمدرسين الذين تتلمذوا وتكونوا في ظلال نظام تربوي مغاير للنظام التربوي الحالي يشكل لهم ذلك النظام المفتقد نموذجا يحتدى، وبحكم أنهم أصبحوا ورثة لذلك النظام المفتقد فإنهم يمانعون حاليا ويبحثون لأنفسهم عن بدائل للتعويض.


النظام القيمي المفتقد، بما فيه حتى وعود المكونات السياسية التي كانوا يحفظون برامجها عن ظهر قلب والتي تحقق منها جزء مهم مع حكومة التناوب التي تم تعيينها يوم 14 مارس 1998 برئاسة  السيد عبد الرحمان اليوسفي، ذلك النظام النخبوي الضيق اندثر بحكم التزام الدولة بالقيم الكونية التي تتشكل من مبادئ المجانية والإلزامية بالإضافة إلى العمومية… ومع اندثار النموذج النخبوي الضيق المفتقد وفي انتظار تحسن المؤشرات الاقتصادية التي ستساهم في تقليص عدد التلاميذ في القسم، وجد الورثة الجدد للنظام التعليمي المفتقد أنفسهم فجأة وجها لوجه مع النظام التعليمي الجماهيري المفروض من طرف المؤسسات الدولية والغير مكترثة بتاتا بقيمهم النخبوية وبتطلعاتهم المهنية المهيأة بواسطة النظريات والتصورات النخبوية، مما دفع بعضهم إلى الاندحار في الشوارع وفي الساحات العمومية والبعض الأخر الاندحار في الساعات الإضافية الإجبارية المفروضة على التلاميذ وعلى العائلات الفقيرة والمعوزة بدل الاندحار بداخل الأقسام وبداخل حصص الدرس. ورغم كل هذا الوضع المحبط  الشبيه بالكارثة الوطنية الكبرى، تفضل شرائح المدرسين النخبوية في العيش والتدريس وفق قيم نظامهم الخاص، لأنه مكسبهم  النخبوي وطريقة تمايزهم الاجتماعية مما يجعلهم ورثة حقيقيين للمدرسة المغربية في مواجهة القلة القليلة من الاساتذة الممنوحين الذين يجدون ويكدون بدون الاكتراث لأدنى الاعتبارات. والغريب في الأمر هؤلاء الورثة الجدد هم محميون من طرف الجهات الرقابية، وككل المحميين في جميع العصور هم فرسان لزمن الردة. في مدينة العيون جوهرة الصحراء المغربية، لما كان الشرفاء يتحكمون في زمام الأمور تم توقيف خلال سنة واحدة سبعة إداريين، أحد هؤلاء الموقوفين، وصلت تزويراته حتى إلى المملكة البلجيكية، ولما أحس المهترئون بخطورة الوضع جيشت الجهات الرقابية باقي المهترئين وفتحوا المجال التربوي لكل أشكال الاهتراء.


الغريب في الأمر الورثة الجدد للنظام التربوي المغربي الذين هم محميون وأشبه بجماعة من الأعيان يمتنعون عن تدريس أبنائهم في المؤسسات التربوية العمومية المجانية التي يشتغلون فيها؛ وهم يرفضون تدريس أبنائهم في هذه المؤسسات يرفضون حتى القيام بواجبهم المهني كما تفرضه المساطر وجداول الحصص.
تحت ضغط التشريعات الدولية التي أقرت بضرورة تمدرس أبناء الفقراء والمعدومين يمانع الورثة الجدد في منحهم هذا الحق عن طريق فرض الساعات الإضافية الإجبارية المؤدى عنها. التشريعات الدولية تعتبر التعليم الابتدائي والتعليم الإعدادي- الثانوي بالتعليم العمومي المجاني وورثة النظام التربوي المغربي يعتبرونه التعليم الإجباري الخصوصي.


النظريات اللبرالية الهجينة التي صعد نجمها في المملكة المغربية مع بداية عشرية التسعينات من القرن الماضي والتي لازالت مهيمنة الى حدود الآن هي من ساهمت في تأسيس أخلاق وقيم ورثة النظام التعليمي الذي تم تأميمه وتحفيظه من طرف الورثة الجدد الذين هم في معظمهم زعماء وهميون لجماعات وفئات تعتبر نفسها جوهر النظام التعليمي القائم، ومنها من كان إلى زمن قريب يعتبر نفسه وريث النظام السياسي وصاحب تمثيليته لوحده. الورثة الجدد هم محميون من طرف الجهات الرقابية التي ترعى وتحضن أفكارهم المستمدة من قيم وأفكار اللبرالية الهجينة التي تتستر على أولائك الذين لا يؤدون سومة كراء منازلهم ولا يؤدون سومة فاتورة الماء والكهرباء ولا يؤدون فاتورة محطات البنزين ناهيك أنهم لا يؤدون حتى ذعائر المخالفات حينما لا يحترمون قانون السير…


تمدن الورثة بما فيه الكفاية وخلقوا لأنفسهم مؤسسات على هامش المؤسسات، أصبحوا يشكلون شريحة اجتماعية تطالب بحقوقها في التميز وفي رفض ما هو فائض عن النسبة الوطنية للتأطير. الورثة الجدد للنظام التعليمي المغربي هم الجزء المهم من الكارثة الوطنية التي لحقت بهذا النظام وهم أصناف متعددة، منهم بعض المدراء المغلوب على أمرهم وبعض المفتشين الجائرين في أوامرهم وبعض النواب المحتالين على مناصبهم وبعض رؤساء المصالح المبتاعون لشواهدهم، بالإضافة إلى النقابات والأحزاب الحامية لمصالحهم.


 بودريس درهمان


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi