الثلاثاء، 26 مارس، 2013

نعم للتربية الجنسية لكن بأية رؤية؟

بتاريخ : 20:08




الملف الذي نشرته جريدة «ليكونومست» حول التربية الجنسية نهاية الأسبوع الماضي يستدعي مناقشة الأفكار والخلفيات التي تؤطره، ليس من جهة إثارة قضية أهمية التربية الجنسية والحاجة الملحة إليها، فهذا أمر لا ينازع أحد في ضرورته، وضرورة أن يكون المدخل العلمي والديني والتربوي مساعدا في تأصيل هذه التربية ورفع كلفة الإحراج التي تشكله التقاليد المانعة، وإنما من جهة الهدف من هذه التربية والوظيفة التي يمكن أن تؤديها، إذ فرق كبير بين أن تطرح التربية الجنسية كأحد أبعاد العملية التربوية في شموليتها فتصير إحدى دعائم تعزيز ثقافة العفة المجتمعية وتقوية المعاشرة الزوجية، وبين أن يتم توظيف التربية الجنسية فقط لتأمين الممارسة الجنسية غير الشرعية ومحاولة استباق مخاطرها بالعناصر الوقائية التي تقدمها هذه التربية.
المنطق الذي ينطلق منه ملف «ليكونومست» هو التطبيع مع العلاقات الجنسية غير الشرعية، ومحاولة التعامل مع المخاطر التي تطرحها، لا مناقشة مخاطر العلاقات الجنسية بذاتها، فتصير التربية الجنسية بهذا النحو خادمة للعلاقات الجنسية مساهمة في إشاعتها لا محذرة من مخاطرها.


والمفارقة أننا إذا سايرنا هذا المنطق المقلوب، الذي يحاول أن يتحجج بضغط الواقع وبتحولاته، وإذا حاولنا سحب مفرداته على وقائع أخرى غير العلاقات الجنسية، سنكون أمام فوضى عارمة من شأنها أن تقوض قواعد الاجتماع الإنساني كله، إذ سيؤول هذا المنطق إلى تسويغ التربية على الاستهلاك «الرشيد» للخمر وللمخدرات حتى لا يتم السقوط في وضعية الإدمان، وسيتم التربية على الوقاية من حوادث السير بدون التزام مدونته، وسيتم تسويغ التربية على تدبير مخاطر إهلاك البيئة بدون التصدي للأسباب التي تهدد السلامة البيئة، وسيتم التسويغ للتربية على تدبير مخاطر استعمال الأغذية التي انتهت صلاحيتها والتي يفرضها واقع شجع البرجوازية الشرسة دون إعمال القوانين التي تمنع دخولها وتعاقب المتسبب فيها.


أي بعبارة واضحة، سنكون مضطرين إلى أن نتسامح مع الأسباب التي تثير المشاكل، مع العمل على التقليل من المخاطر التي تنتج عنها، تماما كما هو المسار الذي اختارته التجربة الغربية، الذي يجيز العلاقات غير الشرعية، وحين ينتج عنها ما يهدد الاجتماع الإنساني يضطر إلى إنتاج القوانين التي تخفف من مخاطرها، فيتم إصدار قوانين ترعى النساء العازبات والأطفال المتخلى عنهم، ثم يضطر بعد أن تظهر حقائق السوسيولوجيا تنامي نسب تورط هؤلاء في ارتكاب الجرائم إلى تبني مشاريع وبرامج «الأبوة المسؤولة» ليتم تمكين المحرومين من الآباء من آباء آخرين ليشعروا بدفء الأبوة ولو كانت وهمية.


إن النقاش اليوم، لا ينبغي أن يكون حول أهمية التربية الجنسية وفائدتها، فهذا أمر محسوم، وربما كان إعادة التأكيد عليه مضيعة للوقت. إنما الخلاف في الرؤية التي تؤطر هذه التربية، والوظيفة التي يمكن أن تؤديها، وهل ستكون خادمة للقوانين وللمرجعية الدستورية التي تنص على إسلامية الدولة، أم أنها ستكون معبأة للتمرد عليها، مجوزة لنقضها ونقض أصول الاجتماع الإنساني.


بكلمة، إنه ما دام الاتفاق على ضرورة التربية الجنسية حاصلا بين جميع المكونات، ولا عبرة في ذلك بمحاولة ملف «ليكونومست» إلباس العلماء ثوب المعارضة والوقوف في خط التقاليد المحنطة، فلتكن هذه التربية منسجمة مع المبادئ العامة التي تؤطر المنظومة التربوية، إذ لا شيء يبرر أن تكون نشازا عنها، وليتم تجريدها من الخلفيات الإيديولوجية التي يراد من خلالها خدمة أجندة تطبيع العلاقات الجنسية ومحاولة إشاعتها.


إن نتيجة هذه التربية المنسجمة مع مبادئ المنظومة التربوية ستكون واحدة، وستشمل حتى الذين يمارسون العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، لكن فرق كبير بين أن تكون هذه التربية موجهة بهدف تشجيع العلاقات الجنسية وتأمينها، وبين أن تكون مؤطرة بأهداف تربوية عليا تخدم المجتمع وقواعد اجتماعه، وتقدم بالتبع الوقاية اللازمة.


بلال التليدي


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi