الأحد، 5 مايو، 2013

دفاعا عن نساء ورجال التعليم

بتاريخ : 17:44




كثيرة هي الأحكام الجاهزة والاتهامات الموجهة للعاملين في الحقل التعليمي، خاصة منهم الأطر التربوية والإدارية العاملة في المؤسسات التعليمية، باعتبار علاقتهم اليوميـــة المباشرة بالمتعلمين من قبيل التهاون فـي العمل وعدم أداء الرسالة التربوية المنوطة بهم على الوجه المطلوب، بل هناك من يحمّلونهم مسؤولية تردّي منظومة التعليم في بلادنا وإخفاق الإصلاحات المتتالية لرتقها.. إنّ مثل هذه المواضيع تحتاج إلى تسليط الضوء لرفع اللبس والغموض، وإلى التشخيص الدقيق لوضع الأصبع علــى الأسباب والمكامن الحقيقية لهــذا التنافر، في أفق رد الاعتبار لهذه المهنة وإعادة بناء جســور التواصل والتعاون والتكامل بين نســاء ورجال التعليم وباقي الشرائح الاجتماعية، خاصة آباء وأولياء أمور التلاميذ.. وسنحاول في هـــذه المساهمة رصدَ بعض الأسباب التي ساهمت في ضعف الأداء في الوسط المدرسي، ووضعت العاملين فيه موضعَ السخط والاستنكار الاجتماعي.


لا يختلف إثنان على أنّ قطاع التعليم يلتقي مــع غيره من الوظائف من حيث كونه مهنة يُعتبـــر ممارسوها موظفيــن يتقاضون أجورهم مقابل الخدمات التي يُقدّمونها ويخضعون، في جزء كبير مــن حياتهم المهنية، للقوانين التي تسرى على باقي الوظائف، غير أنّ فقهاء التربية والتعليم والممارسين، على حد سواء، يعرفون -وهذا ما لا يعرفه كثير من الناس- ما لهذه المهنة من خصوصيات تجعلها مـــن أهــمّ وأصعب المهن علــى الإطــلاق: أما الأهمية فتتجلى في كونها القاطرة المعول عليها لتحقيق التنمية، على اعتبار أنّ المدرســة هي المشتل الأساس لتكوين رجال الغد المُسلـّـَحين بالقدرة والكفاءة والفعالية، وبانعدامها أو ضعف جودتها لا يمكن البتة كسب رهان التنمية، في حين تتضح صعوبة مهنة التعليم فــي المهامّ المتعددة والمتنوعة وفي المسؤولية الضخمة والجسيمة الملقاة على عاتق ممارسيها، والمتمثلة في التنفيذ المباشر والتفعيل الأمثل للسياسة التعليمية للدولة.


إنّ الإصلاحات الفوقية و»الأريكية» لرتق منظومة التعليم على مدى العقود الأخيرة، والتي ينطبق عليها المثل الدارج المعروف: «خرْجْ مْن الخيمة مايْلْ»، قد وضعت العاملين في الوسط المدرسي في موقف لا يُحسدون عليه: فهم من جهة اجترّوا -ويجترّون- طيلة حياتهم المهنية مرارة فشل الإصلاحات المتعاقبة التي لا يدَ لهم فيها، ومن جهة أخرى أدّوا -ويؤدّون- ثمن هــذا الفشل، من خلال ردود الأفعال الاجتماعية السلبية -الماديـــة والمعنوية- التي لم تعد تمظهراتـُها خافية على أحد..


وإذا سبق وشرع قطاع التعليم كغيره من القطاعات الأخرى فــي التصدّي لمجموعة مـــن الاختلالات التـي باركنا في مقال سابق مقاربــات معالجة بعضها، واقترحنا تــدارك قصور بعضها الآخر، فإننا آثرنا، فــي موضوعنا هــذا، التركيزَ على الوسـط المدرسي والعامِلين فيه بهدف إثارة الانتباه إلى خللٍ لنا اليقين بأنّ التمادي في تجاهله وعدم معالجته سيزيد من تراجع الأداء في الوسط المدرسي وتكريس الاحتقان الاجتماعي تـُجاه العاملين به، وهو خلل كامن في ثلة من نساء ورجال التعليم والخارج عن إرادتهم، ويتعلق الأمر بالذين «زُجّ بهم» أو التحقوا بهذه المهنة، التي لا قِبَل لهم بها، لتأمين لقمة العيش وطرد شبح البطالة ليس إلا، في الوقت الذي كان على أهل الحلّ والعقد، اعتبارا لخصوصيات هذه المهنة -التي نقترح لها اسم» فن التربية والتعليم»- وضع آليات اصطفائية صارمة لانتقاء الموهوبين من خريجينا الذين يتوفرون على «البْروفايلْ» الضّروري لممارسة هذا «الفنّ»، قبل الحديث عن رصيدهم المعرفيّ وإخضاعهم للتكوين التربوي.. بدل التعامل الكمّي مع التوظيفات في هذا القطاع، وحلّ مشاكل البطالة بشكل اعتباطيّ على حسابه، و»إغراقه» بالتوظيفات المباشرة..


ونعتقد أنّ هذا الخلل، إذا لم يتمَّ تداركه، قادر لوحده على إفشال الإصلاح -المفقود إلى حد كتابة هذه السطور- مهْما كان ناجحا. فرُبّ مُدرّس متوسط المعرفة وموهوب خيرٌ من عشرات المُدرّسين لهم أعلى الدرجات العلمية وغير موهوبين.. ولا يفوتني في هذا الصدد التذكير بأنّ الوسط التعليمي يزخر بالطاقات وبالشّرفاء الذين يبذلون المجهودات المضنية، غير أنّ المردود يبقى ضعيفا على أرض الواقع نظرا إلى ما أسلفنا، ولتناسل الاختلالات وتفاقمها والاخفاقات المتتالية لإصلاحها، دون الحديث عين الغبن الناتج عــن الظروف المادية والاجتماعية لنساء ورجال التعليم، ما أمسى يُحبط حتى الموهوبين من مُدرّسينا، وعليه لــن نجانب الحقيقة إذا أكدنا -بحرقة وأسف- لمن تحتاج إلى تأكيد أنّ الأداء المدرسيّ لــن يزيد إلا ضعفا إذا استمــر الحال على ما هو عليه..


لا شك أنّ الحاجة الماسّة إلى الخدمات الإجتماعية قد وضعت الوسط المدرسيَّ تحت المجهر، وجعلت من نسائه ورجاله، بحكم تواجدهم في صلب الرّهانات والوظائف التي تعمل المدرســة على تحقيقها، وبحكم أنهم الحلقة الأساسية في صيرورة منظومتنا التعليمية، والجسر الذي لا عنى عنــه لترجمة السياسة التعليمية على أرض الواقع (جعلتهم) المشجبَ الذي نعلق عليه فشلنا، رغم عدم إشراكهم ومشاركتهم في القرارات والاستراتيجيات والسياسات. فأنـّى لنا أن نحاسب الجنود على تنفيذ أوامــر رؤسائهم في ظلّ قانون الطاعة العمياء! ثم مــَن هم الأجدر بالمحاسبة؟..


 إنّ الاستقراء الموضوعي للوضع المقلق الذي بات يقضّ مضجع نساء ورجال التعليم ليمنحنا السّند لدحض وتفنيد الاتهامات المُوجّـَهة لهم بعدم أداء الرسالة التربوية المنوطة بهم على الوجه المطلوب، ذلك أنّ مهمتهم باتت تنحصر وتـُختزَل -كما أريد لها- في تنفيذ القرارات والاستجابة لها بشكل آليّ، ما فرض عليهم إعــادة إنتاج الرّداءة وجعلهم، بحكم احتكاكهم اليومي بالمُتعلـّمين، وتواجدهم في الخنادق الأمامية، يتحملون، بغير وجه حق، وزرَ ما لم تقترفه أيديهم مـــن اختلالات وإخفاقات منظومتنا التعليمية، ويصيــرون بالتالي -زيادة على إكراهات الاكتظاظ وطول المقررات وساعات العمل وكذا معاناتهم من التوثر والقلق- كبــشَ فداء وموضوعَ تعنيف نفسيّ ولفظيّ وجسدي، والأنكى من ذلك أنّ هذا الوضع يظلّ مفتوحا على أسوأ الاحتمالات في ظـــل الفراغ البيداغوجيّ وغياب إصلاح شافٍ وشامل لمنظومتنا التعليمية..


وخلاصة القول إنّ الإسراع، وليس التسرّع، بإيجاد إصلاح شموليّ ينبني على المقاربة التشاركية مع الفاعلين الحقيقيين فــي الحقل التعليمي، ووضع مواصفات جديدة لتكوين جيل جديد من الموهوبين مـــن نساء ورجال التعليم، انسجاما مع التغيرات الجديدة التي تشهدها هـــذه المهنة، وطنيا ودوليا، لـَكفيل برفــع الأداء المدرســي وتبديد التخوفات على مصير أبنائنا وأجيالنا، وإعادة بناء جسور التواصل مع المحيط الاجتماعي، ما سيساهم -لا محالة- في رد الاعتبار لنساء ورجال التعليم وصَون كرامتهم، وتصحيح الوضع التعليمي في بلادنا وتلمّـُس الطريق نحو التنمية المأمولة.



محمد أوعلي
رجل تعليم






التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi