الأحد، 16 يونيو، 2013

من أجل نظام أساسي حداثي ديمقراطي منفتح

بتاريخ : 16:35




لا أحد يجهل أهمية النصوص القانونية والتشريعية ودورها الملموس في تنظيم حياة المجتمعات وحماية الحقوق والحريات، ويشكل النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية جزءا أساسيا من المنظومة القانونية، كما يشكل أحد القرارات الحاسمة التي تحدد المسار المهني والحقوقي، وصيانة كرامة الممارسين في الحقل التربوي والتعليمي، كما يعكس تنامي الوعي بأهمية القانون في حياة الأمم والشعوب.


وهنا لابد من الاعتراف أن خطورة هذا الموضوع جعلتني أقدم هذه الدراسة لهندسة تصور موضوعي يتضمن عددا من الملاحظات الوجيهة للمشروع الذي قدمته الوزارة الوصية في بوابتها الإلكترونية، والمقترحات النابعة من التجربة الذاتية والمعاينة الميدانية لواقع الشغيلة التعليمية بمختلف فئاتها ومكوناتها، وذلك من أجل صناعة نظام أساسي كامل ومتكامل يتجاوز اختلالات وثغرات وعيوب النظام السابق.


- فما هي الخلفية الفلسفية والسياسية التي تحكمت في مسألة مراجعة المدونة القانونية لنساء ورجال التعليم ؟- هل يتماشى وتطورات اللحظة السياسية الراهنة ؟- هل يترجم طموحات وتطلعات وانتظارات الأسرة التعليمية ؟- ما مدى احترامه للضوابط القانونية الوطنية والكونية ؟- ما الطفرة النوعية التي سيعرفها، أم أنه يبقى مجرد صورة مستنسخة للنظام العتيق السابق ؟أبعاد تأجيل إخراج النظام الأساسيلابد من الإشارة إلى أن النظام الأساسي الذي وعدت به الوزارة على إصداره في السنة الماضية لم يخرج بعد إلى حيز الوجود، مما خلق موجة من التذمر والغضب في صفوف نساء ورجال التربية والتكوين، كما أثار جملة من الشكوك في جدية ومصداقية العمل الحكومي، وسمح ببروز عدة قراءات تأويلية وتخوفات، وهي تخوفات مشروعة في نظرنا المتواضع، وقد عكستها مجموعة من الأسئلة المشروعة المثارة:- ما هي دواعي هذا التباطؤ والتأجيل؟- هل هو راجع إلى غياب روح التراضي والتوافق أم راجع إلى غياب الإرادة السياسية الفعالة، وإلى هيمنة منطق الحسابات السياسية الضيقة ؟-  
 وهل ثمة صعوبات جمة تعترض واضعي مشروع النظام الأساسي بسبب ما يختزن تفكيرهم من التباسات وضبابية، وما تعتري ممارساتهم من ارتباك وتردد ؟

لاشك أن سياسة التماطل والتباطؤ يعكس حالة التخبط والارتباك التي أضحت أحد سمات العمل الحكومي، إذ أثبتت ما يلي:

* العجز المزمن عن استيعاب مضامين الوثيقة الدستورية الجديدة.

* غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح التربوي والبيداغوجي، كما تشكل أحد مظاهر فرملته.وفقدان الوعي الحاد بجسامة الرهانات والتحديات التي تواجه المغرب وعدم الاستيعاب الجيد للتطورات والتحولات التي أحدثها الربيع العربي.


* الإصرار في عدم تجاوز التدبير التقليدي بمختلف عيوبه ومساوئه، فالوزارة الوصية غير عابئة بجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها.لاشك أن واقع التأخير في إصدار المدونة القانونية وغيرها من القوانين يمثل أحد الانحرافات الخطيرة للجهاز الحكومي عموما، والتي لا ينبغي السكوت عنها والتغاضي عنها، إذ تعطي الانطباع للرأي العام أن «لالة حكّومة» تعيش بياتا شتويا طويل الأمد، وأنها متشبثة بالنهج العتيق الذي يرتكز على المزاجية والارتجالية في تدبير الشأن العام.إن هذه الممارسات المنحرفة تشكل مغامرة غير محسوبة لا تدري الحكومة أبعادها ومخاطرها. وهنا يجب الإشارة إلى أننا لم نستغرب من هذه الانزلاقات، إذ تبقى حكيمة تنسج ثيابها الرديئة على منوال عوائدها القديمة، كما تتصف بهيمنة الشفوي الذي يتضمن الأقوال والأفعال، والابتعاد الكلي عن الجانب العملي، وهنا لابد من تنبيه الحكومة التي يقودها حزب البيجيدي بالآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).لهذا كله، أضحت عملية الإسراع في إخراج المنظومة القانونية أمرا ملحا لإيقاف حالة الغليان والقلق السائدة في الساحة التعليمية وإنهاء أجواء التوجس والترقب.


مشروع النظام الأساسي والنظام السابق: أية علاقة ؟


إن القراءة المتفحصة للمشروع تجعلنا نقدم جملة من الملاحظات، وهي كالتالي:

*عدم تحديد ساعات العمل الحقيقية وإهمال معالجة مسألة الساعات التضامنية التي تثير اعتراض الشغيلة ورفضها.

* التراجع عن مكتسب 4 سنوات المتعلق بالامتحان المهني ليتم تعويضه ب 6 سنوات.

* عدم اعتماد الشهادة الجامعية (الإجازة، الماستر، الدكتوراه) كآلة من آليات الترقي.إن هذا التجاهل الكلي لمسألة الشهادة العلمية يمثل نوعا من الوصاية العمياء مما يجعلنا نثير جملة من التساؤلات المشروعة فرضت نفسها علينا، ومن أبرزها:- ألا يشكل هذا التجاهل والتغييب ضربا لمبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص مع باقي موظفي القطاع العام ؟- ألا يشكل مسا صارخا بالقيمة العلمية للشهادة الجامعية ؟- ألا يمثل إقصاء فئة عريضة من الأسرة التعليمية وحرمانها من منظومة الترقي لعبا بالنار ؟

إننا نؤكد هنا أن هذا المنطق الإقصائي الذي يكرس التمييز بين موظفي الدولة، ويعزز اللاعدالة واللامساواة في الحقوق يشكل توجها محافظا ومظهرا من مظاهر الانحطاط التشريعي وسياسة التسلط والتحكم وضعف البعد الديمقراطي، كما يترجم هيمنة النزعات السياسوية المقيتة، والتوجهات السلطوية والأبوية.

 إن هذه المؤشرات القاتمة تتعارض وعملية بناء دولة الحق والقانون، والتي يمكن تصنيفها في خانة التعثرات والكبوات لحكومة البيجيدي.بناء على ما سبق، يمكن القول أن المسودة القانونية تتمتع ببنية قانونية هشة، وخريطة طريق غامضة وغير متوازنة تعتريها جملة من النقائص والثغرات والشوائب التي تنقص من قيمة المشروع، إذ شكل قفزة لامسؤولة عن بنود الدستور الجديد، ومؤشرا سلبيا لا يتيح إمكانية تعزيز حقوق ومكتسبات الشغيلة التعليمية ولا النهوض بأوضاعها المزرية وتحسين ظروف عملها وتأهيلها للقيام بأدوارها التربوية السامية، ويندرج في إطار إستراتيجية التضييق على حقوق الأسرة التعليمية والتحكم في مصيرها. وفي إطار التدابير الحكومية الظرفية التي يحكمها المنطق التقنوقراطي والتوازنات المالية والحسابات السياسوية لتغييبها مجموعة من المعايير والضوابط والحقوق، إذ يعبر عن موقف معادي للشغيلة وللثقافة الحقوقية.لقد افتقدت المسودة إلى البعدين الحقوقي والاجتماعي تمثل مجرد استنساخ للنظام العتيق الصادر في 13 فبراير 2003 الذي انعدمت فيه كل مقومات التحفيز، فهي لازالت تحمل بصماته.إن عملية الاستنساخ تمثل في حد ذاتها مغامرة خطيرة غير محسوبة العواقب.

وهكذا نستخلص أن المراجعة القانونية كانت سطحية لا تنفذ إلى عمق المشكلات وحل الكثير من القضايا الجوهرية والعالقة التي شكلت محور انشغالات واهتمامات العاملين في الحقل التربوي والتعليمي كقضية المجازين وتغيير الإطار لأساتذة السلكين الابتدائي والثانوي الإعدادي.أسس ومقومات النظام الأساسي الحداثي:من المؤكد أن المراجعة الجذرية وعملية التجديد الحقيقية تعتبر مبادرة جريئة وخطوة حكيمة، لكن ما يؤاخذ عليها كونها اقتصرت على إجراء تعديلات جزئية وترقيعات ورتوشات لا تلامس عمق الأشياء، تحمل مساحيق تجميلية لا تغني ولا تسمن من جوع ولا تستجيب مطلقا لرغبات وتطلعات الشغيلة التعليمية، كما تعكس العبث بمضامين ومقتضيات دستور 2011، وتبني المواقف المتصلبة، فقد بات إجراء مراجعة مستعجلة مطلبا ضروريا من شأنها أن تقدم مصالحة حقيقة لكافة القضايا التي تجسد محور اهتمامات الأسرة التعليمية. لهذا لا يخامرنا أي شك أن هذه المنظومة تمثل نوعا من الحنين إلى الماضي البائد، ونتمنى ألا تشكل منحدرا خطيرا تضطر الحكومة على إثره إلى اعتماد منطق التبرير والتعليل الواهي والبحث عن البراهين والحجج التافهة للتملص من المسؤولية. إن هذا المشروع يطبعه الاختلال واللاتوازن مما يستدعي التدخل لتصحيحه وتعديله. فالمنظومة ليست فقط عملا تقنيا صرفا، بل إجراء سياسيا يجب أن يبنى على العقلنة، ومراعاة جملة من الشروط والأسس ومن أبرزها:- أن يكون كاملا ومتكاملا، يتم فيه استحضار الجانب الإنساني والاجتماعي والمهني والبعدين الديمقراطي والحقوقي.- أن تتم هندسته وفق معايير وضوابط قانونية معقولة تتماشى مع منطوق الدستور ومضمونه، ذلك أن إغناءه وإثراءه سيضفي قيمة جديدة على هذا المنتوج القانوني خدمة لمصلحة الشغيلة وصيانة كرامتها وتعزيز حقوقها ومكتسباتها.- أن يكون مؤطرا برؤية جديدة وتصور مشترك مع أطراف متعددة.

 ويتضمن فلسفة حقوقية جديدة قوامها الديمقراطية والإنصاف والمساواة.- أن تحكمه وتؤطره المقاربة الشمولية والتشاركية والتشاورية، فنحن نعي جيدا أن القرارات الفوقية والانفرادية تنتهي دائما إلى الإخفاق والاندحار.- أن يتماشى مع تحديات ومتطلبات العصر الراهن الذي تطبعه التحولات الدستورية وأحداث الربيع العربي. فالمطلوب إذن، هو وضع نظام أساسي يراعي المبادئ العامة المتعارف عليها على الصعيد الدولي ويترجم التزامات المغرب بالمواثيق العالمية.يمكن القول أن النظام الأساسي يحتاج إلى هندسة سليمة بعيدة عن الجاهزية والنمطية، متحررة من الاعتبارات الذاتية ومن المزاجية المقيتة، خالية من الصرامة والتشدد ونزعات الاستعلاء.

إننا نتطلع إلى:

* مدونة قانونية عادلة ومنصفة، تتوفر فيها الجودة تعكس مطالب الشغيلة والفعاليات النقابية، ومضمون الشعارات والخطابات والإشارات السياسية خدمة لمصلحة الأسرة التعليمية، وتجاوز مظاهر الاحتقان الاجتماعي وتجنب مضاعفاته الدراماتيكية.

* نظام متحرر من تأثيرات النظام السابق ومن التجاوزات والانحرافات، يسمح بأجرأة الحد الأدنى من مقتضيات الوثيقة الدستورية الجديدة والحوار الاجتماعي ويستجيب لطموحات الممارسين في المجال التعليمي، ويرفع الحيف عنهم.

* نظام تتحدد فيه المسؤوليات والمهام بدقة وبشكل واضح تكريسا لمبدأ الشفافية.

* نظام منفتح على روح العصر وتطوراته، وعلى خيارات الحداثة والديمقراطية.

* نظام أساسي يعمل على صيانة الحقوق والمكتسبات أجل التأهيل والولوج إلى روح العصر وتطوراته ومواجهة تحدياته وإكراهاته.

* منتوج قانوني يتجاوز الثغرات والتشوهات الكامنة في النظام السابق الذي جسد مذبحة حقيقية لحقوق الشغيلة التعليمية تمت في واضحة النهار.

* نظام يتوفر على رؤية ذات طابع استشرافي منفتحة على العصر الراهن والمستقبل، تطبعه فلسفة التعاقد والتشاور.


الخلاصة:  لا ريب أن البناء القانوني يستلزم جهدا جماعيا متكاثفا للطاقات وتجميعا للإرادات، ويستدعي أيضا روحا عالية من الحوار الجاد، كما نؤكد هنا على نجاعة اختيار التجديد باعتباره يشكل أحد رهانات اللحظة التاريخية الراهنة التي لا ينبغي تجاهلها أو التغاضي عنها.



إبراهيم خالد صبار


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi