الأربعاء، 12 يونيو، 2013

"أخطر المجرمين".. مرشح باكالوريا!

بتاريخ : 21:22




في اليوم المبارك المنير الذي ستتحدث فيه أخبار القناة الثانية عن اعتقال فوري لمجرم خطير، سيكون الخبر كالتالي: "تم اعتقال مرشح لامتحانات الباكالوريا يستعمل جهازا جد متطور للغش يتواصل عبره مع شبكة خارجية!"…. هكذا، يوم يشتغل الأمن المغربي بسرعة البرق مع أخطر المجرمين، لا يكون المكان إلا ثانوية ولا يكون الزمان إلا امتحانا ولا يكون الشخص إلا "ولد الشعب"، ولا تكون الجريمة إلا "نقيلة"! والله إني لا أبسط التهمة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، ولكني فكرت وأنا أسمع الخبر فيما كنا عليه أيام امتحانات قد خلت، ولو أن الوزير "الوفا" كان حينها، لكان سجل طلبة الثانوية العسكرية كله سوابق!أذكر أن طالبات قسم يجلسن في نفس الصف اتفقن أن تضع كل واحدة منهن درس جغرافيا في جيبيها، وأيا منهم كان جواب سؤال الامتحان في الدرس الذي كلفت به عليها تمريره للصف كاملا. ومنذ بدأ الامتحان صادف وقوف الأستاذ المراقب طاولة الفتاة الحاملة للجواب في جيبها، فأخذ الصف بأكمله ينتظر حراكه، يسألنه ويبتسمن له ويغمزن له، وهو لا يتحرك، حتى بقيت ربع ساعة وأخذت الفتاة تحاول إخراج ورقة الدرس من جيب "الجينز" اللاصق أخرجت ورقة 20 درهم التي وضعت بالغلط مكان الدرس، فبقي للتلميذات 5 دقائق للارتجال على الورقة!


أذكر طالبات في القسم كن يقرأن قبل بداية الامتحان آية: "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون"، ثم ينفثن في أيديهن ويمسحن بها أوجههن والطاولات حتى يغشي الله عنهم أعين المراقبين وينقلن الأجوبة والملائكة تحرسهم من كل جانب، أو هكذا كن يحسبن! وأذكر أن طالبة كانت تضع العدسات اللاصقة في عينيها ولكثرة محاولاتها النظر في ورقة زميلتها سقطت عدسة من عينها وأكملت الامتحان بعين خضراء وعين سوداء وسط استهزاء الأساتذة المراقبين وضحك زميلاتها بالقسم! وأذكر أن كل أستاذ شدد كُنّا ندعو أن يُشدد الله عليه وكل أستاذ ترك مجال الغش مفتوحا كنّا ندعو له بالجنة!


عقلية، لا نُلام عليها في بلد كبرنا ونحن نشهد أنّ الطبيب الخيّر هو الذي يقبل توقيع شهادة طبية لشخص ليس مريضا مقابل دريهمات، وأن المدير الطيّب هو الذي يمنح الموظف عطلة مرضية براتب دون مبررات، وأن المعلّم الرائع هو الذي يسمح للتلاميذ بالكلام في القسم وعدم الانتباه، وأن الحارس المُبارك هو الذي يسمح للناس بدخول مستشفى في غير وقت الزيارة برشوة 20 درهم وكأن الله لا يراه، وأن الشرطي "المرضي الوالدين" هو الذي يتغاضى عمن يعرقل المرور دون توقيف ولا عتاب، وأن المراقب المحسن هو الذي يسمح للعمال بالغياب، وأن "ولاد الناس" هم الذي يسمحون بخرق القانون، والذي لا يسمحون هم "ولاد الحرّام" الضالون المضلون.


عقلية، لا يلام عليها طلبة اليوم، في بلد كبروا وهم يشهدون أن من يساوم الشرطة ويرشي الدرك ولا يدفع الغرامة ولا يؤدي الضريبة شخص ذكي، وأن من يتنصل عن أداء المستحقات ويخترق الصفوف ولا يحترم الأسبقية مواطن عبقري، وأن الذي يسرق البرامج الإلكترونية والأفلام والموسيقى ويسجلها ويبيعها دون قانون شاب حذق، وأن الذي يأخذ الدواء من المستشفى ويحمل الأدوات من المكتبة ويسرق الأكل من مطابخ الإدارات وينتفع من عمله بما ليس له فيه وجه حق هو المغربي الحق، وأن الذي يزيد على أيام العطلة أياما هو موظف شاطر، وأن الذي ينام في مكتبه ولا يستطيع أحد أن يزعجه هو العامل الماهر، ومصطلحات ومفردات تصف كل خارج عن القانون: واعر مستوني خطار ساط هداك هو الراجل!

لا غرابة، ولا عجب، في دولة الشعب يكره الأحزاب والحكومة، ولا يثق في جمعيات ولا نقابات ويعتبر المقاطعات والإدارات أماكن مشؤومة، والشرطة في خدمة الفساد، والقضاء في خدمة الظلم، والقانون سجنا للعباد، والمحاسبة عن الخطأ استبداد، ويعتبر رؤية الشرطي واقفا أمام داره من تمخزنيت وليست من واجب نشر السلم والأمان.. لا غرابة، ولا عجب، أن يُخلق من وسط كل هاته الأحاسيس الحانقة على منظومة الدولة جيلا يحسب أن الغش في الامتحان حق شرعي، وأن تحدي القانون هو ثورة على ظلم الدولة، وأن الوساطة لإيجاد عمل نعمة، وأن خرق الواجب واجب وانتصار للكرامة والحق والعزة والمواطنة.


إن كنت أومن بأن الله لن يغير ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا، سأقف هنا وقفة محاسبة للمسؤولين، وقفة مناجاة للشعب المسكين، وقفة لأقول للوزير "الوفا": لو كانت الأخبار الوطنية تتحدث بنفس الطريقة ولو كانت الشرطة تتحرك بنفس السرعة مع سارقي المال العام الذين لا يحتاجون إلا للطرق التقليدية القديمة: هز الفلوس وزيد خلفة مع الطريق في سلم وأمان.. لما اضطررت لأن تحلف اليمين على معاقبة من يسرق جوابا للامتحان!





مايسة سلامة الناجي 




التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi