الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

الوفا يخطئ طريق معركة الإصلاح !

بتاريخ : 23:43





من المؤكد أنّ الشعب المغربي -بمختلف مكوناته- سيظلّ يحفظ لحكومة السيد عبد الإله بنكيران، سواء أطال الله في عمرها أو قصّره، وإنْ كان الأرجح أنها لن تعمّر طويلا، في ظل ما يتخلل سيرَها الأعرج من اهتزازات، لاسيما بعد الانسحاب المؤقت لأكبر حلفائها، حزب الاستقلال، تحت قيادة أمينه العام، المشاكس السيد حميد شباط.. تلك الحسنة المتمثلة في جرّ أوسع فئاته إلى تتبّع جلسات مجلسَي النواب والمستشارين، خاصة الشهرية منها، المتعلقة بمساءلة رئيس الحكومة حول السياسات العامة، في إطار الفصل الـ100 من الدستور، ليس اهتماما بالشأن السياسي، كما قد يتصور البعض، وإنما سعيا إلى تلك الفرجة المفتقـَدة في قنواتنا التلفزيونية، التي أفرغت -هي الأخرى- من أعمال الترفيه والتنوير، على قلتها...

     يحاكي الحديث عن الحكومة «النصف ملتحية»، كما يحلو للبعض تسميتها، من حيث الإغراء والتشويق، أشهرَ الحكايات المتميزة  بـ»الإمتاع والمؤانسة»، لما يتصف به رئيسها من سعة الخيال في انتقاء الكلمات التي تتواءم وإيديولوجيا حزبه، من غير أن تتسبب للمواطن البسيط في أيّ عسر للهضم، أو تستدعي معاجمَ لفهمها، لعلّ أشهرها تداولا عبارتا «التماسيح والعفاريت»..

والمثير للسخرية أن يسير على هديه، إلى حد التماهي في الشعبوية، وزيرُ التربية الوطنية السيد محمد الوفا، المنتمي إلى حزب غريمه اللذوذ شباط، الذي بدل خوضه ما يراه «معركة» للإصلاح»، بما يلزم من الواقعية والجدية وإنْ بشكل جزئي وتدريجيّ، أبى إلا أن يرفع عقيرته بالتهديد والوعيد، فأحدثتْ خرجاته ضجّة عارمة، تبيَّن إثرها أنّ الرّجُل لا يُجيد عدا إطلاق الكلام على عواهنه، وإحداث الفرقعات الإعلامية الخاوية.. وبنبوغ فريد، توصّل إلى خلطة عجيبة من القرارات، لن يُضاهيها في غرابتها إلا تشكيلة الائتلاف الحكومي نفسِها، نجد من بين مرتكزاتها ضربَ حق الإضراب، المضمون في دستور المملكة إلى حين ظهور قانون تنظيميّ، من خلال الاقتطاع التعسفي من أجور المُضربين عن العمل، ثم إقرار قيود مُجحِفة في وجه نساء ورجال التعليم، من الرّاغبين في متابعة دراساتهم العليا، بإلزام المندوبيات الإقليمية، في شخص مسؤوليها من النواب، قبل الموافقة على الترخيص والتزكية، بضرورة حصول المعنيـ(ة) بالأمر على رأي الرئيس المباشر حول أدائه المهني من حيث المردودية، المواظبة والسلوك، والتصدّي لكل من لهم علاقة بمجال الصّحافة، سواء كمراسلين أو كمتعاونين أو مدونين إلكترونيين،عبر بلاغ صادر للسّيدات والسادة مديري الأكاديميات ونواب الوزارة، شدّد فيه السيد الوزير -بحسّ انتقاميّ- على موافاته بلوائحهم دونما تساهُل، قصد اتخاذ العقوبات الزّجرية اللازمة، على اعتبار أنهم يسيئون إلى مهامّهم الأساسية في التدريس أو الإدارة، عند إدلائهم برُخص مرض صورية، مما يُخلّ بواجبهم المهنيّ ويُعرّض مصلحة التلاميذ للضياع، فضلا على ما يلحق المنظومة التربوية ككل من أضرار وتشويه، جرّاء ما يكتبونه من مقالات وينجزونه من تغطيات...

    لا، يا سيادة الوزير، فالإصلاح لا يتم باستهداف الأسرة التعليمية والدفع إلى تثبيط عزائمها، ولا بواسطة الترهيب والتضييق على الحُرّيات والتراجع عن المكتسبات، إذ ليس بمثل هذه الإجراءات المُستفزّة للوجدان والمَشاعر يمكن النهوض بالمنظومة التربوية، أو التأسيس لمدرسة «النجاح»، التي ما فتئتم تتغنـَّوْن بها بلا طائل.. فمتى فكرتم بواقعية في تغليب المصلحة العليا للتلميذ، وحاولتم مراجعة البرامج والمناهج وأنظمة الامتحانات الإشهادية؟ وما الذي يحول دون جهركم بحقائق الأمور وإعلان فشلكم، بدل اختلاق المسوغات الواهية؟

إنّ الطريق الصحيح صوب مُعترَك التغيير المنشود لا ينطلق من محاولة الإجهاز على ما تبقى لموظفي وزارتكم من حقوق، فالمُضرب لا يلجأ إلى التوقف عن العمل حبّا في الاستجمام، ما دام له من العطل وأوقات الرّاحة ما يُغنيه عن ذلك، وإنما ينخرط فيه مُرغَماً، بعد استنفاد كل صيغ النضال المتاحة والمشروعة، وأن الذي يرغب في متابعة دراساته الجامعية لا يُجيز لنفسه القيام بذلك على حساب واجباته المهنية والإضرار بمصالح التلاميذ، طالما أنّ الحكامة الجيدة تقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة.. فإنما يتغيّى توسيع دائرة معارفه وتنمية رصيده الفكري والعلمي في جو من الانضباط للضوابط القانونية، بما يكفل له الارتقاء بوضعه المادي والاعتباري والحرص على ضمان مواظبته، تحسين سلوكه والرّفعَ من وتيرة أدائه المهني.. وأنّ من يبادر إلى تسليط الأضواء، عبر «مصابيح» الإعلام، على الزّوايا المظلمة التي تعاني منها المنظومة التعليمية لا يفعل ذلك لتحقيق مآربَ ذاتية وآنية، ولا بدافع التشهير أو تصفية حسابات ضيّقة مع جهة ما، وإنما استحضارا فقط لروح المسؤولية الأخلاقية ومن منطلق الغيرة الوطنية، ودونما اللجوء إلى الاختفاء وراء الرّخَص الطبية...

إنّ المعركة الحقيقية تستدعي توفر إرادة صادقة وقناعة راسخة لتجاوز مكامن الخلل، وأن يستلهم القائدُ قوته من إيمانه الثابت بضرورة معالجة الاختلالات بهدوء تامّ، أن يكون مُلمّاً بهندسة الميدان ومتحكما في مدخلاته ومخرجاته، أن يشكل نموذجا يُحتذى به في الاستقامة ورجاحة العقل، ويملك من الجرأة ما يؤهّله لإماطة اللثام عن الأشباح الحقيقيين، الذين يستنزفون خزينة الدولة دون موجب حق، كشف المُتستـّرين عنهم من «الكبار»، وإنزال أقصى العقوبات في حقهم، بعد استرجاع الأموال المنهوبة، التعجيل بإشهار القوائم الفعلية للمستفيدين من الرّيع النقابي والإلحاق، أولئك الموضوعين منذ أمد بعيد رهن إشارة مؤسسات ثقافية وهيئات سياسية ونقابية، وإرجاعهم إلى مقرّات عملهم الأصلية بعد إعادة تأهيلهم لسدّ الحاجيات، دون إغفال الذين لا يُدْلون بالشهادات الطبية، ولا يشاركون في الإضرابات عن العمل، ليس امتثالا لأوامر الوزارة أو استجابة لنداء الضمير، وإنما لوجودهم في عطالة دائمة ومؤدّى عنها، بسبب تعيينهم في مناصبَ إدارية وهمية في المصالح الخارجية والمؤسسات التعليمية بتوصيات فوقية تعتمد منطق المحسوبية... ناهيكم عن أولئك المُندسّين ممن لوثوا سمعة المدرسة المغربية، الذين يتحرّشون بتلامذتهم ويتحيّنون المناسبات المواتية للانقضاض عليهم ونهش لحومهم البضّة، أو الذين يتدثـّرون بعباءة الدِّين ويحشون أدمغة التلاميذ بالفكر الظلاميّ، ممن يحُضّون على مقاطعة حصص شعر الغزَل بدعوى إثارة الفتنة، ويحثـّون على الاحتراس من بعض مُدرّسي الفلسفة لِما قد ينشرونه من «مروق» و»إلحاد»! هؤلاء من تجب محاربتهم بصراحة وضراوة...

إنّ الطريق إلى المعركة الحقيقية ينطلق من التلاحم والتوافق على رفع التحدّيات في وجه الإكراهات كيفما كان حجمها، من خلال فتح أوراش كبرى حتى لا يظل عنوان تلامذتنا هو الضياع والعزوف عن الدراسة.. وكم كنا نتمنى، صادقين، لو أرجأ سيادة الوزير خرجات بداية السنة إلى نهايتها، ليقف على هول الكارثة حين يعلم -مثلا- أنّ معظم أقسام الجذوع المُشترَكة، في جلّ مؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي، قد توقفت عن الدراسة مع بداية الأسبوع الأول من شهر ماي لاعتبارات عدّة، عليه اكتشافها بوسائله الخاصة، إنْ كان يسعى إلى الإصلاح الفعليّ...



اسماعيل الحلوتي


اسماعيل الحلوتي
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi