الجمعة، 9 مايو، 2014

إصلاح الأستاذ أولا

بتاريخ : 17:58



في خطوة تشكل الانجاز الرئيس لحركة إصلاح التعليم نزل ألاف المفتشين التربويين ولمدة شهر كامل لتقييم جميع المدرسين في القطاعين العام والخاص وفق معايير أكاديمية صارمة ومحددة بدقة للإجابة على ثلاثة أسئلة جوهرية ،وبشكل آني ومباشر مرتبط بقاعدة بيانات مركزية ،وذلك بعد تتبع أربع الى ست حصص دراسية : هل يجري شرح الدروس بوضوح ؟ هل يتطور مستوى أداء التلاميذ ؟ ماذا يقدم الأستاذ من حلول للتلاميذ المتعثرين ؟ ولأن العملية لاقت ترحيب اباء وأولياء التلاميذ فإن السلطات الوصية استعانت بمفتشين ومديرين وأساتذة متقاعدين لإتمام العملية سريعا حتى لا تشوش على سير الموسم الدراسي .النتيجة كانت تصنيف المدرسين الى ثلاث فئات كبرى : أستاذ ذو تأثير وفعالية عالية ، أستاذ ذو فعالية عادية ومتطور ، أستاذ غير فاعل . وفي حالة الترتيب لمرتين متتاليين ضمن الفئة الغير الفاعلة فإن المدرس يكون معرضا لعقوبات ادارية قد تصل سريعا الى الطرد . يحدث هذا في ولاية نيويورك هذا العام وبإشراف مباشر من حاكم الولاية بعد نجاح هذا النظام في ثلاث ولايات أخرى . 

وفي الجارة الشمالية لا يضمن الأستاذ مكانه في قسمه إلا وفقا لجودة منتوجه التدريسي، فعقود العمل محكمة بزمن ومخرجات، والترقيات متوقفة إلى ما بعد غيوم الأزمة الاقتصادية، ولم يسمعوا هناك بعد عن أشياء كثيرة تناسلت في حديقة تعليمنا .
في بلدي يبدو المشهد سرياليا : أساتذة مضربون لأكثر من مئة يوم ثم ينتدبون أحدهم ليرغد ويزبد في قناة متوسطية ، أستاذان لا يفصل بينهما إلا حائط حجرة دراسية لكن راتب أحدهما ضعف الأخر، فقط لأنه عرف كيف يقتنص امتحانا مهنيا أو شهادة إجازة و ماسترا، ولا من يستفسره كيف ومتى ولأي مردود على مهنته ؟ أساتذة حولوا نقط تلاميذهم الى أسهم ترتفع بارتفاع ثمن الساعات الخصوصية بينما يخصصون فصول المدرسة العمومية لأخذ قسط من الراحة ،أما المحنكون فقد نالوا مهاما نقابية أو تغيير اطار كملحق تربوي او إداري في نسخة "لايت" من طبقة الاشباح ، بينما فئة لابأس بها من رجال التعليم بمفهوم يقترب من الأمية الثقافية واللامبالاة التامة، ولجوا المهنة صدفة على حد قول الرفيق اخشيشن بعدما سدت في أوجههم كل السبل، أو ناضلوا من أجل أن يصبحوا أشباه أميين تجارة أو سمسرة أو ثرثرة على رصيف المقاهي،أو أسيري مذاهب أصولية تنشر سمومها الايديولوجية بين أبنائنا دون أن تجد من يقول كفى لهذا العبث ،دون أن ننسى الآخرين الذين تخصصوا يوميا في تلويث صورة المعلم النموذجية بسلوكاتهم المظهرية أو اللاخلاقية الفجة التي تتسابق الصحف على نشرها والتشهير بها. أما الذين يستجيبون للمعايير الثلاثة السابقة ،ويضحون بصمت وبجهد جهيد من أجل صنع مستقبل هذا الوطن استاذات وأساتذة وهم كثر فنادرا ما نجد من يقول لهم على الأقل : شكرا ، والمشكلة اليوم التي يجب أن تعالج ليست هي مدى الحضور والغياب ،بل كيف تسير العملية التعليمية بين الجدران الأربعة للحجرة الدراسية .
نتذكر بحسرة معلمينا الكرام زمن الثمانينات وبداية التسعينات : وقار وهيبة وإخلاص متفان للعمل،وصرامة مدير لم تكن لتسمح بأي تجاوز في المظهر أو الاخلاق أو السلوك أو فوضى أو تسيب في الفصول الدراسية ، وفي زمن حقوق الانسان والمنظمات الحقوقية والنسائية المتوالدة كالفطر،والحالة النفسية والثقافية التي خلقتها القبضة الرخوة للدولة أضحت هيبة المعلم والأستاذ في مهب الريح ،مع أنه لم يعد يمطر ثورة أو يملك ثروة تقيه بلية القروض إلا من رحم ربي ، ولم يعد تلميذ اليوم يرى في أستاذه أو أستاذته تلك القدوة الحسنة التي تستوجب الاحترام والتوقير .
وفي الاخير يتساءل مسؤولونا : لماذا يفشل الاصلاح كل مرة ؟


محمد الشلوشي











التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi