الأربعاء، 18 يونيو، 2014

استثناء الموظفين من مباريات التعليم يخالف النص الدستوري

بتاريخ : 12:33



أعلنت وزارة التربية الوطنية عن مباريات ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين في المستويات التعليمية الثلات: الابتدائي، الإعدادي، والثانوي، وقدت فُتح باب الترشيح في وجه جميع المغاربة الذي لا يتجاوز سنهم 45 سنة، الحاصلين على شواهد الإجازة. لكن جديدُ هذه السنة أن الاعلان الذي نشرته وزارة التربية الوطنية يستثني الموظفين من اجتياز مباريات التعليم، دون أن يُصاحب هذا الاستثناء أي إسنادٍ قانونيّي أو دستوريّي، فالوزارة المعنية لم تُرفق قرار قصْرها المباريات على غير الموظفين، بأي مبرر مستوحى من القانون أو الاجتماع السياسي، أو حتى الحيثيات الاقتصادية، ولم تَخرج الوزارة الوصية بأي تصريح تبين فيه ملابسات اتخاذها لهكذا قرار.

وفي غياب هذه المعطيات لم يبقَ على الباحث إلا العودة إلى النصوص القانونية لعله يجد ما يمكن به تأييد هذا القرار أو انتقاده، فضلا على ضرورة البحث في ما يمكن تسميته بالأعمال التحضيرية لقرار منع الموظفين من اجتياز مباريات التعليم، وبما أن هذه الأعمال غير متوفّرة ما دامت الوزارة المعنية لم تقدم أي حيثيات أو تصاريح توضّح قرارها، فإن أهم ما يمكن الرجوع إليه في السياق هذا، هو الأحداث الاجتماعية التي عرفتها أكاديميات التعليم السنة الماضية، والمقصود هنا الاعتصامات والإضرابات التي باشرها أساتذة التعليم الابتدائي الذين اجتازوا المباريات الكتابية لولوج مسلك التعليم التأيلهي الإعدادي والثانوي. ونقترح لتناول الموضوع من زاويتَيِه (القانونية والإجتماعية) أن يكون ذلك وفق النقطتين التاليتين:

أولا: من الناحية القانونية

لا ندري ما إذا كان مَنِ اتّخذ قرار منع الموظفين من اجتياز مباريات التعليم على علمٍ بالمقتضيات الدستورية المتلعقة بالحق في الشغل، لأنه لو تم استحضار النص الدستوري لتبيَّن أن هذا الأخير يضمن الحق في ولوج سوق الشغل لجميع المواطنين والمواطنات من دون تمييز أو إجحاف. فالفصل 31 من الدستور ينص على مايلي: « تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل...؛ ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق...». وهو ما يعني أن المواطنينَ أحرارٌ في التقدُّم إلى أي وظيفة يتم الاعلان عنها إذا حازوا شروط استحقاقها، وهذه الشروط لا ينبغي أن تخرج عن ما يُسطّره القانون. وفي الحالة التي نحن بصدد الحديث عنها، فإن شروط ولوج مباريات التعليم، ينبغي ألا تَخرج عن الشهادة العليمة المطلوبة، والسن القانوني، أما دون ذلك فيجب أن يكون بالقانون. وبما أنه لا يوجد أي نص قانوني يمنع على الموظفين اجتياز مباريات التعليم أو غيرها، فإن الأصل هو الإباحة ما لم يرد المنع. إذ يمكن أن يُتفهّم قرار الوزارة لو تم منع الموظفين الذين وقّعوا بمحض إرادتهم على أن يقضوا مدة معينة بوظائفهم (التي لا تتجاوز 8 سنوات في جل القطاعات)، لكن شريطة ألا يتم إسقاط الأمر على الموظفين الذين أنهوا المدة المطلوبة.

هناك أمر آخر تم إغفاله من قِبل متّخذي قرار منع الموظفين، وهو أن القانون يسمح للكثير من هؤلاء من مغادرة وظيفتهم بعد مدة معينة (الأطباء وموظفي التعليم على سبيل المثال). وإذا كان من حق الموظف أن يستقيل من عمله، فمن باب أولى أن يُسمح له باجتياز مباراة معلنٌ عنها من قِبل أحد قطاعات الوظفية العمومية. كما أن من صفة القاعدة القانونية أن تكون عامّة ومجرّدة، وهو ما لم يحترمه قرار المنع، لأن موظفي وزارة التربية الوطنية من حقهم التقدم إلى جميع الوظائف التي تُعلن عنها مصالح الدولة، وبالتالي من الضروري أن يَستفيد من نفسِ الحق الموظفون الراغبون في مزاولة المهن التعليمية، سواء لأسباب مادية أو معنوية.

ثانيا: من المستهدف الحقيقي من قرار المنع؟

قد تُدافع وزارة التربية الوطنية فن قرارها، بأنها تستهدف فسح المجال لغير الموظفين من أجل الحصول على وظيفة من ناحية، وعدم التأثير على سير مصالح الوزارة من ناحية ثانية. لكن هذا الأمر منتقدٌ من مختلف الزوايا: فمن جهة لا يمكن الإدّعاء بأن فتح مناصب وزارة التعليم قد يضرّ بحق غير الموظفين في الشغل، لأن من ينتقل إلى وزارة التعليم سيترك منصبه شاغرا في وزارته، وعلى الأخيرة واجب الإعلان عنه ضمن مباريات التشغيل؛ ومن جهة أخرى، فإن مبرر حق العاطلين في العمل، يوازيه حق الموظف في تحسين ظروف عمله. وهو ما يُدخلِنا إلى صلب التساؤل المعنونة به هذه الفقرة.

فمن المعلوم أن وزارة التربية الوطنية قد واجهت مشكلة مع موظفيها من أساتذة التعليم الابتدائي والأعدادي السنة الفارطة. فأفراد هذه الفئة الذين نجحوا في مبارايات لولوج مسلك التعليم الثانوي، وُوجهوا برفض الوزارة المساح الترخيص لهم، بدواعي التأثير على سير الموسم الدراسي. أما هذه السنة فإن هذه فئة ممنوعة من اجتياز المباراة من الأصل. وقد يتساءل البعض: لماذا يُصرّ رجال ونساء التعليم الابتدائي والاعدادي على اجتياز مباريات ولوج التعليم الثانوي، رغم أنهم يُدشّنون مسارهم المهني في نفس السلم (10)؟

إن الجواب عن هذا السؤال ينقل البحث لموضوع آخر - والذي سنعود إليه في مقال مفصّل - ولكن حسبنا الاشارة إليه بإيجاز. فالمعروف أن هناك نظرة دونية من قِبل الحكومات المتعاقبة لأستاذة التعليم الإبتدائي والاعدادي، فهو ملزمون بدون نص قانوني بالاشتغال بعدد ساعات يفوق العدد الذي تُلزِم به الوزارة نظراءهم من أساتذة التعليم الثانوي، أما الجانب الأسوأ والذي له علاقة بالموضوع، فهو إضافة إلى الأجر الزهيد الذي يحصل عليه موظفي التعليم بشكل عام، فإن أستاذ التعليم الابتدائي والإعدادي بشكل خاص محروم من الحصول على الترقية خارج السُّلَّم، فأعلى رتبة يمكن له الحصول عليه هي السلم 11، أي أن أستاذ هذه الفئة يمكنه أن ينهي مِشواره ترقيَّاتِه في سنه ال 29 (يحصل الطالب على الاجازة في سن 22 سنة، ويؤدي سنة من في مركز التكوين، ومن حقه أن يتقدم لاجتياز مباراة الترقية للسلم 11 بعد 6 سنوات من الوظيفة). وهذا يفيد أن الأستاذ(ة) يقضي أكثر من 30 في عمله من دون تحفيزات، ويظل سجينا لهذا الوضعية الإدارية طيلة حياته المهنية. وهذا ما يدفع أساتذة التعليم الابتدائي والاعدادي إلى الحرص على اجتياز مباريات الولوج لمسلك التعليم الإعدادي والثانوي حتى يُصبح بإمكانهم الأمل في أن يتغيّر وضعهم المادي والمعنوي ممكنًا، لأن الحياة ضيّقة جدا في غياب فُسحة الأمل.

يظهر إذن، أن قرار منع الموظفين، عِلاوةً على أنه يخالف النص الدستوري، فإنه لا يستند إلى أي قانون صادر عن البرلمان، وأنه يحرم فئة من الموظفين من مزاولة مهنة التعليم، كما يمنع استاذة التلعيم الابتدائي والثانوي من فُسحة أملٍ تكُونُ لهم(ن) عكّازا من أجل مواجهة ضيق الحياة المادية والمعنوية. فإذا أرادت الحكومة بشكل خاص والنظام السياسي بشكل عام مواجهة أزمة البِطالة، فإن ذلك يستدعي إجراءات أكثر تأثيرا بدل الاجتهادات قصيرة الأمد التي لا تَحُلُّ مشلكةُ البعضِ إلى على حسابِ البعض الآخرِ.


عبد الرحيم العلام

باحث في القانون الدستور وعلم السياسة، المغرب






التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi