الأحد، 29 يونيو، 2014

خاص بالطلبة المترشحين لاجتياز مباريات الدخول إلى المراكز الجهوية للتربية والتكوين 'الجزء الأول'

بتاريخ : 15:11



 لاشك أن أي مترشح يستعد في هذه الأيام لاجتياز إحدى مباريات ولوج مراكز التربية والتكوين تشغله مجموعة من الأسئلة تشكل في الغالب بالنسبة إليه  مجتمعة تحديا أكبر يتعلق عموما بالمواضيع التي سيمتحن فيها فيما يتعلق بعلوم التربية والحياة المدرسية وانفتاح المدرسة على محيطها عموما , خاصة بالنسبة للطلبة المتخرجين صيف هذه السنة من مختلف الجامعات والمعاهد , الذين لم تتح لهم بعد  فرصة للتكوين المستمر أو العمل  في ميدان التعليم المدرسي الخصوصي , دون الأخذ بعين الاعتبار خريجي كلية علوم التربية .

   والمترشح كأي مواطن مغربي له تمثلاته حول المؤسسة التعليمية المغربية , وكذا المشاكل التي يعانيها قطاع التعليم ومساره المتعثر حيث لم يجد بعد طريقه الصحيح الذي يحقق الحد المعقول من الجودة الكفيل بضمان مستوى مقبول لدى المتعلمين في مختلف المواد من جهة , وتمكين كل خريج من الظفر بوظيفة أو فرصة شغل حقيقية تمكنه من الاندماج الفعال في المجتمع من جهة أخرى , ولعل تركيز جلالة الملك في خطابه الأخير على مشكل التعليم يبين أن قضية التعليم تشكل أولوية كبرى , لأنه الأساس الذي تقوم عليه التنمية ببلدنا في مختلف الميادين .

  يرى الباحث المغربي محمد ضريف في مقال نشره مؤخرا بإحدى الجرائد المغربية أن تركيز جلالة الملك في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب على قضية التعليم  مرده لكون الملك يعتبر التعليم قضية وطنية وليس مجرد قطاع أو مجال عمومي , فهو (التعليم) بحسب جلالته القضية الوطنية الثانية بعد قضية الوحدة الترابية , فإصلاح التعليم وضمان جودته السبيل الأساس للتدبير الأمثل للثروة البشرية التي يزخر بها المغرب .

   عندما نتحدث عن رهان إصلاح التعليم وتحقيق جودته , يتبادر لذهن كل واحد منا خاصة المترشح لاجتياز المباريات السابقة الذكر, الإجراءات العملية الضامنة لركوب هذا التحدي , أولها"المنهج" المتبع في تعليم النشء , وهو ما يصطلح عليه في علم التربيةبالبيداغوجيا , وسعيا لتبسيط المفهوم , ارتأيت  نعت هذا المصطلح بالمنهج دون استعراض التعاريف الواردة بصدده .
  وإذا كان لكل منهج بصفة عامة مرجعيته أو الخلفية التي ينبع منها , فإن الميثاق الوطني للتربية والتكوين يشكل الفلسفة التربوية أو الإطار المرجعي للمناهج والبرامج المتبعة في السياسة التعليمية بالمغرب .

  1) الميثاق الوطني للتربية والتكوين : يشكل بحق المحطة الحاسمة التي عرفها مسار إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب الذي ابتدأ منذ بداية الاستقلال إلى يومنا هذا , فالميثاق الوطني للتربية والتكوين هو حصيلة عمل اللجنة الملكية الخاصة التي ضمت مختلف الهيئات والفعاليات بالمجتمع المغربي , التي اضطلعت بوضع مشروع هذا الميثاق لمراجعة مناهج التربية والتكوين المغربية .

   ينقسم هذا الميثاق إلى قسمين رئيسيين :

ـ القسم الأول : يحتوي المبادئ الأساسية التي تمثل المرتكزات الثابتة لنظام التربية والتكوين والغايات الكبرى المتوخات منه , وحقوق وواجبات كل الشركاء والتعبئة الوطنية لإنجاح الإصلاح .
ـ القسم الثاني : يضم ستة مجالات للتجديد موزعة على تسع عشرة دعامة للتغيير .
° المجال الأول : نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي .
° المجال الثاني : التنظيم البيداغوجي .
° المجال الثالث : الرفع من جودة التربية والتكوين .
° المجال الرابع : الموارد البشرية .
° المجال الخامس : التسيير والتدبير .
° المجال السادس : الشراكة والتمويل .

  يعتبر الميثاق الوطني للتربية والتكوين المجسد للفلسفة التربوية بالمغرب , حيث تم تنفيذ الكثير من الإصلاحات انطلاقا من دعاماته الأساسية , وتبني الكثير من المستجدات لعل أهمها إعادة النظر في المنهج العام المعتمد في التربية والتكوين , حيث اعتمد المنهجبيداغوجيا الكفايات عوض بيداغوجيا الأهداف التي كانت سائدة من قبل .

2) بيداغوجيا الكفايات : ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين بصدد الحديث عن الغايات الكبرى , أن نظام التربية والتكوين يضطلع "بمنح الأفراد فرصة اكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العملية , وفرصة مواصلة التعلم , كلما استوفوا الشروط والكفايات المطلوبة , وفرصة إظهار النبوغ كلما أهلتهم قدراتهم واجتهاداتهم ." ص 10 .

  من خلال النص السابق الوارد في الميثاق يتبين أن المقاربة المنهاجية التي استقر رأي المغاربة ـ بعد بحث طويل ـ على اعتمادها لتنفيذ المشروع التربوي هي بيداغوجيا الكفايات , وهي تهدف إلى أن ينطلق" إصلاح نظام التربية والتكوين من جعل المتعلم بوجه عام , والطفل على الأخص , في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية . وذلك بتوفير الشروط وفتح السبل أمام أطفال المغرب ليصقلوا ملكاتهم , ويكونون متفتحين مؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة " ص 10 .فهذا التوجه البيداغوجي الجديد يهدف إلى تركيز الأنشطة والمواد التعليمية على المتعلم حيث تتمحور كل الأنشطة حوله كفاعل أساسي . بذلك يصبح المتعلم فاعلا رئيسيا يبني المعرفة بذاته لذاته ويؤثر في زملائه للغرض نفسه , وهنا يطرح المترشح سؤالا أساسيا يتعلق بدور الأستاذ في ظل البيداغوجيا الجديدة .
  فالمدرس يعتبر مسهلا لعمليات التعلم الذاتي وليس ناقلا للمعرفة في إطار بيداغوجيا الكفايات, فهو يلعب دور الوسيط بين المتعلم والأنشطة التعلمية من خلال ما يوظفه من طرائق بيداعوجية واستراتيجيات التعلم لتوفير شروط التعلم الذاتي للمتعلم .
  يتضح من خلال ما سبق ذكره أن بيداغوجيا الكفايات تختلف عن بيداغوجيا الأهداف التي كانت سائدة من قبل في المنظومة التربوية المغربية  اختلافا جوهريا , فبيداغوجيا الأهداف  كانت تركز على محتوى التعلم وتهمش المتعلم أو بالأحرى تركز على سلوكه كرد فعل أثناء التعلم , فالمدرس ينتهج خطة للدرس تقوم على تجزيء الأهداف إلى سلوكات قابلة للملاحظة وقياس مدى تحققها خارج شخصية المتعلم , وتبعا لذلك يختار المدرس الطرائق والوسائل البيداغوجية دون مراعاة شخصية المتعلم أي وفق ماتمليه عليه الأهداف التي خططها .

  وبذلك فبداغوجيا الأهداف تقوم على تراكم المعارف وتجميعها لا على بناء الكفايات والقدرات التي تمكن المتعلم من أن يبقى فاعلا مدى الحياة يستثمر مكتسباته القبلية للتصرف الفعال في كل وضعية مستجدة بالنسبة إليه . فالعملية التعليمية التعلمية بصدد بيداغوجيا الكفايات عملية تفاعلية لأنها تنطلق من وضعيات تعلمية تجعل المتعلم يؤثر في زملائه ومدرسه ويتأثر بهم , على خلاف الحالة التي كان يعيشها في بيداغوجيا الأهداف التي اعتبرته عنصرا سلبيا لأنها تركز على مدى تحقق الأهداف وليس على النمو في شخصية المتعلم وتطوير قدراته .
   هذا الاختلاف الجوهري بين بيداغوجيا الأهداف وبيداغوجيا الكفايات لا يعني التعارض الكلي بين المقاربتين فبداغوجيا الكفايات حاولت تجاوز نقائص بيداغوجيا الأهداف فكلتا المقاربتين تنطلقان من علم النفس كخلفية نظرية عامة لهما , بيد أن بيداغوجيا الأهداف اقتصرت على علم النفس السلوكي الذي يفسر التعلم عند الطفل اعتمادا على تنائية مثير / استجابة , فالتعلم من هذا المنظور تعديل في سلوك الطفل وليس تطوير لملكاته وقدراته العقلية .

  أما بيداغوجيا الكفايات فتفسر التعلم لدى الطفل من منظور علم النفس المعرفي , فلا تركز على جانب السلوك في المتعلم فحسب بل ترتبط بمفهوم التصرف الشامل , الذي يضم السلوك بالإضافة إلى الملكات العقلية الباطنية للمتعلم .

   انطلاقا من هذا المنظور حاولت بيداغوجيا الكفايات إعادة بلورة نظرة شمولية تعيد النظر في المناهج والبرامج والوسائل , بهدف بناء الكفايات لدى المتعلم التي تمكنه من التصرف المناسب في كل وضعية تعلمية , وليس تكديس المعلومات كما كان سائدا بصدد بيدغوجيا الأهداف .


   3) تعريف الكفاية : للتقرب أكثر من بيداغوجيا الكفايات لابد من تعريف الكفاية .

ـ يعرف  فيليب بيرينو الكفاية بأنها "القدرة على التصرف بفعالية أمام زمرة من الوضعيات بغية السيطرة عليها , لأننا نمتلك في الوقت نفسه المعارف الضرورية والقدرة على تعبئتها في الوقت المناسب بدراية لرصد وحل مشكلات حقيقية " .

نستشف من خلال هذا التعريف لمفهوم الكفاية تركيز فيليب بيرينو على جانب القدرة على التصرف لدى المتعلم أثناء كل وضعية تعلمية من خلال ما اكتسبه سابقا من معارف وقدرات بالإضافة إلى قدرته على تعبئتها . فالكفاية من هذا المنظور لاتنبني على تكديس مختلف الموارد المعرفية (معارف , مهارات , خبرات ,مواقف , قيم ... ) بالنسبة للمتعلم ولكن من خلال قدرته على تعبئتها وتوظيفها لحل ما يواجهه من مشكلات .

  ـ أما لوبترف فيعرف الكفاية بكونها "القدرة على تكييف التصرف مع الوضعية , ومواجهة الصعوبات غير المنتظرة , وكذلك قدرة الحفاظ على الموارد الذاتية للاستفادة منها أكثر ما يمكن , دون هدر للمجهود . إنها القدرة والاستعداد التلقائي بخلاف ما يقابل ذلك من تكرار بالنسبة للآخرين " .

ـ تعريف كزافيي روجيرس : الكفاية هي "إمكانية الفرد التعبئة بكيفية مستبطنة لمجموعة مدمجة من الموارد بهدف حل وضعية ـ مشكلة " . أو بالأحرى كل الوضعيات المشاكل التي قد تواجه المتعلم .

  تلتقي التعاريف السابقة في كونها تكاد تتفق على أن الكفاية ليست مجرد امتلاك للموارد بل القدرة على تعبئة وتجنيد وتوظيف هذه المكتسبات لحل ما يستجد من وضعيات بالنسبة للمتعلم , فالكفاية هي القدرة على ابتكار الأجوبة الجديدة التي تفرضها كل وضعية على المتعلم .

 من خلال ما سبق يتضح أن بيداغوجيا الكفايات تطرح تصورا جديدا للتعلم يكون فيه المتعلم المحور الأساس , قصد إخراجه من سلبيته المتمثلة في تكديس المعارف والمعلومات بشكل يعزل بعضها عن بعض , فالتعلم بالكفايات يقتضي الربط بين مكتسبات المتعلم وتوظيف ذلك في الوقت المناسب لذلك حاولت بيداغوجيا الكفايات إعادة النظر في البرامج والطرائق  والاستراتيجيات التعليمية والوسائل وفق هذا التصور .

  4) أنواع الكفايات : تنقسم الكفايات كما هو متفق عليه إلى قسمين :

  أ ـ كفايات نوعية : هي الكفايات المرتبطة بمادة دراسية معينة , أو بميدان مهني مهاري معين , من الكفايات النوعية مثلا : تمكن الطفل من القراءة التلفظية للحروف العربية  وكتابتها .
ب ـ الكفايات المستعرضة أو الممتدة :وهي الكفايات التي لا ترتبط بمجال أومادة معينة , بل يتم تعبئتها بصدد ميادين ومواد مختلفة , من بين الكفايات الممتدة : امتلاك آليات التفكير العلمي , وهي كفاية يمكن توظيفها لحل كل الوضعيات المشاكل ذات الطابع العلمي .





التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi