الأحد، 27 يوليو، 2014

د.حسين مجدوبي : الدارجة ليست لغة المعرفة واستعمالها في التعليم سيحكم على المغرب بمزيد من التخلف

بتاريخ : 02:52



شهد المغرب خلال نهاية السنة الماضية نقاشا قويا حول فشل التعليم وعلاقته بلغة التدريس، وتحول في لحظات معينة الى قضية رأي عام حملت مؤشرات على إمكانية تطور النقاش الى مستوى راق وقد ينتقل الى تقديم حلول علمية وعملية لقطاع يعتبر السند الحقيقي لتقدم الدول ورقي الحضارات.
وكان نور الدين عيوش، المعروف بالاشتغال في مجال الإشهار والعمل الجمعوي، قد بادر الى وضع موضوع لغة التدريس لتجاوز فشل المدرسة المغربية على طاولة النقاش ، وفضل الدارجة على حساب العربية. ويأخذ على عيوش عدم تقديمه تصورا متكاملا قائما على أسس علمية بدل الاقتصار فقط على عناوين وكأن الأمر يتعلق ببيع منتوج معين. وفي الوقت الذي بدأ النقاش يشهد غنى في الرؤية والأطروحات لاسيما بعد مشاركة المفكر عبد الله العروي، فجأة يغيب النقاش وكأنه سحابة صيف وليس قضية تهم مستقبل وطن وأمة.
وهذا الغياب، يبرز اهتمام شريحة من المغاربة ومنهم الاعلاميين والسياسيين بالشق الفرجوي في الملف مثل “وقوف فرنسا لدعم الفرنكفونية”، “عيوش صديق الملك” و”جمود اللغة العربية”  بدل التركيز عن تقديم نماذج والغوص في الظروف التاريخية والاجتماعية المسؤولة عن فشل المدرسة المغربية. لم يتم ترجمة الاهتمام الى مبادرات الباحثين بتشكيل لجن لتقديم تصورات، ولم يبدي الصحفيون اهتماما بالعمل على استمرار حضور الموضوع في وسائل الاعلام.
ومع قرار تعيين الملك محمد السادس المجلس الأعلى للتعليم والتكوين والبحث العلمي يوم 16 يوليوز الجاري، تجدد الحديث عن الدارجة بسبب اختيار نور الدين عيوش عضوا في المجلس، والمفارقة هي غياب مثقفين من طينة عبد الله العروي في هذا المجلس.
وعمليا، لا يمكن للمرء سوى الترحيب والتصفيق لمبادرات عيوش لقلقه على مستوى التعليم الفاشل في البلاد. لكن الواقع التاريخي يكشف أن أطروحة عيوش بالرهان على الدارجة لغة للتعليم والتحجج بصفتها لغة الأم ولغة التواصل اليومي ويشبهها بدور اللغات الأوروبية مثل الفرنسية والإسبانية والانجليزية التي يتم تداولها في الشارع والمدرسة مع فارق نسبي وضئيل للغاية هو رهان غير علمي بل سيزيد من فشل المدرسة المغربية مستقبلا.
وتعتبر اللغات الوطنية في أوروبا تقريبا لغة التداول ولغة التعليم في آن واحد، واكتسبت هذه الصفة بعد حقبة زمنية طويلة تمتد على قرون ورافقتها عملية إنتاج علمي حقيقي أغنت اللغات الوطنية.
التقدم الذي تعيشه الدول الأوروبية مصدره النهضة الأوروبية منذ خمسة قرون على الأقل. فبالموازاة مع النهضة، حدثت مواجهة قوية بين الكنيسة والشعوب التي كانت ترغب في الحرية. ومن ضمن تجليات هذا الصراع، تخلي المفكرين عن استعمال اللغة اللاتينية التي كانت لغة النخبة ورجال الدين والبدء في الرهان على اللغات المحلية، وهو ما سيسمح بلغات كانت لهجات من التطور لتصبح لغة وطنية تسود في الشارع والمدرسة والمعاملات اليومية.
 وساعدت خمسة عوامل في هذا التطور الذي سيؤدي الى انتصار اللغات الوطنية على اللاتينية، ولم تحدث هذه العوامل دفعة واحدة بل متفاوتة زمنيا لكنها ساهمت في تراكم لغوي ومعرفي، وهي:
أولا، خلال الصراع بين الكنيسة والمفكرين ابتداء من النهضة، قدم المفكرون والسياسيون ثقافة تحرر مختلفة عن الثقافة الناطقة باللاتينية التي هيمن عليها الديني، وأغنت إنتاجاتهم المعرفية اللغات الوطنية التي جرى تطويرها تدريجيا لتتخذ شكلها الحالي، بل أن تطور اللغات الوطنية رافقت تطور العلوم الإنسانية والتجريبية والتطبيقية.
ويتجلى العامل الثاني في ظهور المطبعة، حيث يؤكد الباحث المرموق مارشال ماكلوهان في كتابه “مجرة غوتنبرغ”، أحد أهم كتب القرن العشرين ومصدرا رئيسيا لمعرفة التواصل عبر التاريخ، أن المطبعة وانتشارها اللاحق هي التي حولت اللهجات الى لغات وطنية مع مرور الوقت في أوروبا. إذ ساهمت المطبعة في انتشار الكتاب. والمطبعة تعني أساسا انتشار المعرفة بامتياز والدفع بتقدم المجتمعات. وليس من باب الصدف التاريخية أن كل الدول المتقدمة هي التي شهدت انتشارا واسعا للمطبعة منذ ظهورها وخلال القرنين التاليين.
وعلاقة بالعامل الثالث، يتعلق الأمر  أساسا ببدء انتشار التعليم سواء المدارس أو الجامعات في مختلف المدن الأوروبية الى أن صار إجباريا ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، وفق قوانين كل دولة. وانتشار التعليم ساهم في تراجع الأمية، وأصبحت أجيال تعرف الكتابة والقراءة، وأصبح التلميذ يعيش ويترعرع في بيئة متعلمة. في الوقت ذاته، اهتمت الجامعات بتطوير نماذج التعليم المطبقة أو التي يجب تطبيقها.
أما العامل الرابع، هو المتعلق بوجود حركة قوية للترجمة من لغات أخرى الى اللغة الوطنية، والترجمة هي إغناء اللغة بمفردات جديدة وتوفر المعلومات في مختلف القطاعات. وعملية الترجمة نشيطة منذ القرن السابع عشر الى يومنا هذا، حيث يتم ترجمة كتب العلوم التجريبية والإنسانية والآن المعلوميات.
ويتجلى العامل الخامس في وسائل الاعلام التي لعبت دورا مكملا في ترسيخ  اللغات الوطنية من الجريدة الى ظهور التلفزيون، حيث لا يوجد تعدد لغوي في وسائل الاعلام هذه إلا قليلا، وإن وجد فعادة لمخاطبة الآخر، فقناة فرانس 24 بالعربية أو بي بي سي بالعربية ليست لمخاطبة الفرنسيين أو البريطانيين بل لمخاطبة الرأي العام العربي.
ورغم هذا المسار التاريخي الغني وتمازج العوامل، تعاني عدد من الدول أزمة  نماذج التعليم، والأمر غير مرتبط بالضرورة بلغة التعليم وإنما بالنموذج المعرفي ومدى ملائمته للحاجيات المستقبلية للبلاد. ونشرت جريدة لوموند طيلة الأسبوع الأول من فبراير الماضي سلسلة من التحقيقات حول فشل نموذج التعليم الفرنسي لأن المعرفة التي يقدمها لم تعد تسمح بتقدم فرنسا.
الكثير من الدول تراهن على الانجليزية منذ التعليم الابتدائي ليس لأنها لغة الأم بل لأنها لغة المعرفة التي يتحدث بها العالم الآن، كما أنه بدأ الرهان على تعلم الصينية لأنها تدريجيا بدأت تصبح لغة التجارة والعلم كذلك.
والفشل الدراسي الذي يعاني منه المغرب له جذور تاريخية انضاف إليه غياب رؤية استراتيجية للدولة المغربية ثم الفساد الإداري الخطير.
لم يشهد المغرب طيلة تاريخه محاولة لتوحيد اللغة المستعملة، فهو فسيفساء من اللهجات واللغة العربية، ولم ينجح المغرب في إرساء لغة وطنية بالمفهوم التاريخي للغات الوطنية مثلا في الدول الأوروبية أو المشرقية مثل الصين واليابان وكوريا التي لعبت دورا في النهضة بل بقي موزعا بين العربية والأمازيغية وعمق الاستعمار من هذا الشرخ بفرضه الفرنسية والإسبانية. ورغم دسترة اللغة الأمازيغية، فلا يمكن العثور على تراث معرفي مكتوب بهذه اللغة يساعد على إقلاع نهضوي، لا نجد الرواية المكتوبة بالأمازيغية، ولا نجد تاريخ المغرب مكتوب باللغة الأمازيغية دون الحديث عن تخصصات دقيقة مثل الطب والاعلاميات، بل ويضطر مثقفو الأمازيغية للكتابة بالعربية للتواصل مع المجتمع لأن الأمازيغية فرضت مؤسساتيا سياسيا وليس معرفيا حتى الآن.
وعلاوة على إشكالية اللغة، هناك قصور معرفي تاريخي مرعب يعاني منه المغرب جراء تأخر دخول المطبعة حتى أواخر القرن التاسع عشر، تأخر يتجاوز أربعة قرون مقارنة مع الدول الأوروبية. وغياب المطبعة يعني يعني غياب الصحافة ويعني غياب الكتاب ويؤدي هذا الى غياب المعرفة، بمعنى لم يشهد المغرب “حركة سير للمعلومات والمعرفة” في الماضي ويستمر الوضع محصور في الوقت الراهن.
في الوقت ذاته، لا توجد دينامية ترجمة الكتب الأساسية الصادرة كل سنة الى العربية أو الدارجة أو الأمازيغية لتوفير المعرفة الضرورية وإغناء اللغة. فرغم مجهودات كل العالم العربي ومؤسساته لم ينجح في ترجمة كتب المعرفة الرئيسية الصادرة كل سنة الى اللغة العربية، وهذا سر من أسرار تخلف العالم العربي. والتساؤل: فهل يمكن في المغرب أن نسد لوحدنا هذا الشرخ التاريخي عبر دينامية ترجمة الكتب المعرفية الى الدارجة أو الأمازيغية في وقت لا توجد فيه ترجمة؟
ومن ضمن أمثلة التخلف في المغرب في علاقته بالترجمة، مولت اسبانيا ترجمة أمهات الكتب الإسبانية حول المغرب الى اللغة العربية خلال السنوات الأخيرة بينما لم تتوفر لا وزارة التعليم ولا الثقافة على برنامج واضح بالترجمة. وجرى في اسبانيا وحدها ترجمة قرابة خمسة آلاف كتاب سنة 2012، نصفها من اللغة الانجليزية، وجزء هام منها يتعلق بالطب والهندسة والمعلوميات والرياضيات ضمن تخصصات أخرى. أمام عدد الكتب التي صدرت في اسبانيا سنة 2012 فيقارب 70 ألف كتاب منها أكثر من عشرة آلاف في الطب والهندسة والمعلوميات و3786 في الرياضيات والعلوم الطبيعية. وليتأمل القارئ نوعية وكمية الكتب الصادرة في الجارة الشمالية، وكلها كتب تغني اللغة وتجعلها تساير العصر. ويمكن إضافة عشرات الآلاف من الكتب في التخصصات نفسها الصادرة في دول أمريكا اللاتينية التي تتحدث الإسبانية حيث توجد حركة نشر وبحث علمي نشطة للغاية في دول مثل الأرجنتين والتشيلي والمكسيك.
ولا يمكن إغفال التاريخ في علاقته بالتعليم، إذ يعتبر المغرب دولة حديثة بالتعليم في صيغته الحديثة. فقد اعتمدته أوروبا منذ قرون وأصبح إجباريا في القرن التاسع عشر، وانتشرت المدارس في كل المناطق بما فيها القروية وخاصة مع بداية القرن العشرين، بينما يستمر المغرب الى يومنا هذا لا يتوفر على مدارس تغطي كل مناطق البلاد ويبقى التعليم إجباريا فقط في القوانين وليس في الواقع.
وإذا كانت الأم الكورية أو الإسبانية أو الفلندية تساعد ابنها على القراءة وإنجاز التمارين في البيت نظرا لغياب الأمية، وبهذا يكون البيت المدرسة الثانية، فهذا يغيب في المغرب مع بعض الاستثناءات بسبب ارتفاع الأمية في البلاد.
في الوقت ذاته، لا يساعد الاعلام المغربي على بلورة لغة بالمفهوم الوطني قادرة على لعب دور على شاكلة ما لعبته اللغات الأوروبية في تاريخ بلدانها مع الاحتفاظ باللهجات واللغات الاقليمية ليكون دورها تكميليا.
وعلى ضوء هذا، هل يمكن للدارجة بالتحول الى لغة التعليم وهي التي لم تراكم المعرفة طيلة التاريخ بل فقط راكمت أمثال شعبية ولغة تواصل محدودة بكل منطقة جغرافية في المغرب؟ كم يحتاج المغرب من الزمن لتحويل الدارجة الى لغة وطنية للتلقين في مستوى اللغات الوطنية الأخرى والأساسي لتصبح لغة منتجة للمعرفة؟
مأساة المغرب في التعليم هو افتقاره لمخطط طويل المدى يأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات المعرفية للبلاد التي تدفع به نحو التقدم، مخطط يغطي جيلا كاملا ويتم بين الحين والآخر  تقويمه وليس تغييره جذريا كما يحدث حيث تحول قطاع التعليم الى مختبر تجاربة بدون بوصلة.
مأساة المغرب هي غياب النظرة الاستراتيجية البعيدة المدى.





التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi