الأحد، 14 سبتمبر، 2014

كعكة الكتاب المدرسي بقلم رشيد نيني

بتاريخ : 17:22



مع مطلع شتنبر كل سنة تعيش الأسر المغربية جحيما حقيقيا بسبب ترتيبات الدخول المدرسي، والذي يفرض عليها مصاريف مضاعفة، تضطر معه الأسر إلى اللجوء نحو القروض وبيع الممتلكات. فإذا كان الدخول المدرسي بالنسبة لأعضاء الحكومة هو «صوروني كنزور» المؤسسات التعليمية، فإن هذه المناسبة بالنسبة لثمانية ملايين أسرة مغربية تعني التفكير في المصاريف الإضافية التي يتوجب عليها دفعها، سواء كمصاريف للتسجيل أو كمصاريف لاقتناء الكتب واللوازم المدرسية.
ولعل ما يزيد في دخول هذه السنة التهابا، هو تزامنه مع قرب موعد عيد الأضحى ونهاية العطلة الصيفية، مع كل التكاليف التي تكبدها للأسر المغربية.
«بنادم ما حيلتو يخلص الكريدي ديال العطلة اللي دوز، ما حيلتو يخلص الكريدي ديال الحولي ديال العيد اللي فات، ما حيلتو للحولي اللي جاي غادي ينطحو».
ولأن الوزارة لا تتدخل في نوعية اللوازم من دفاتر وأقلام وأدوات، فإن سوق «اللوازم المدرسية» مفتوحة وحرة بشكل فوضوي، إذ يمكن أن نجد محفظات دراسية صينية الصنع بثمن 15 درهما يبيعها تجار في الشارع العام، في حين نجد محفظات دراسية أخرى باهظة الثمن تصل إلى 500 درهم في المحلات الكبرى، لكونها مستوردة وأنتجتها شركات عالمية، ونفس الشيء بالنسبة للمقلمات والدفاتر وغيرها.
لكن المشكل الأكبر تطرحه أساسا الكتب المدرسية، والتي يفترض أن تبقى وزارة التعليم، وصية على تأليفها، انسجاما مع التوجهات الكبرى للدولة في القطاع، وخاصة مراقبة احترام البرامج والمناهج، وكذا مراقبة طبعها وتوزيعها ومراقبة جودة الورق والخط والألوان وغيرها من الخصائص التي تحددها دفاتر تحملات بدقة؟
الذي يحصل مع الأسف هو لعب كبير تتواطأ فيه وزارة التربية الوطنية مع بعض أصحاب المطابع وبعض أصحاب حقوق التأليف لامتصاص دماء البسطاء من المغاربة، وإليكم الأدلة بالأرقام.
فكما هو معلوم تبلغ سنوات التعليم الإلزامي بالمغرب 15 سنة، أي أن كل أسرة ملزمة بتدريس أبنائها تسع سنوات، تتوزع بين التعليمين الابتدائي والإعدادي، في حين يبقى التعليم الثانوي، كما ينص على ذلك الميثاق الوطني للتربية والتكوين، خاصا بالمتميزين فقط. فعندما نجد أن ما يسمى الخريطة المدرسية هي التي تقرر نسبة التلاميذ الناجحين في التعليم الإعدادي وليس «التميز» كما يلح على ذلك الميثاق، حيث تنزل معدلات النجاح إلى ما دون 07 /20، فإن هذا يعني أن كل تلميذ «يستهلك» بلغة السوق 66 كتابا في 9 سنوات، أي إلى حدود بلوغه نهاية التعليم الإعدادي، ولأن الخريطة المدرسية كما تمت الإشارة تسمح بـ«نجاح» تلاميذ بمعدلات تصل إلى ما دون 07 /20، فإن هذا يعني، بحسب إحصاءات المجلس الأعلى للتعليم، أن حوالي 70 في المائة من التلاميذ المغاربة يصلون لمستوى الثانية للباكالوريا، أي أن المغربي «يستهلك» 93 كتابا مدرسيا منذ دخوله السنة الأولى من التعليم الأساسي، دون الحديث عما يسمى الكتب الموازية، وخاصة في التعليم الخصوصي والتعليم الثانوي، حيث تتم دراسة روايتين في اللغة الفرنسية، ليصل العدد الرسمي إلى 101 كتاب «يستهلكه» التلميذ عندما يصل إلى امتحانات الباكالوريا.
دون الحديث أيضا عن كتب للتمارين والحلول والتي تنتجها بعض المطابع بالتفاهم مع بعض الأساتذة والمفتشين، وهي كتب تلقى رواجا كبيرا في صفوف تلاميذ الامتحانات الإشهادية، أي السادسة من التعليم الأساسي، والسنة الثالثة من التعليم الإعدادي (التاسعة)، ثم السنة الأولى والثانية من سلك الباكالوريا.
وإذا عرفنا أن عدد تلامذة المغرب قد بلغ هذه السنة 6 ملايين و775 ألفا و606 تلميذة وتلميذ، وعلمنا أن كل تلميذ من هؤلاء يدرس في كتب مدرسية يتراوح عددها ما بين 8 كتب و13 كتابا في السنة الواحدة لكل تلميذ، أي أن العدد الإجمالي للكتب المدرسية التي تم بيعها وشراؤها كل السنة تبلغ 78 مليون كتاب مدرسي، والمثير هو أن المطابع تحرص على أن تحظى بـ«حظوة» إخراج نسخ جديدة وإلغاء القديمة بدعوى «تحيينها» لمنع تداولها من تلميذ إلى آخر في السنة المقبلة، وهذا يتم تحت إشراف مؤلفين حاصلين على تراخيص وزارية للأسف.
ومن عادة المغربي أن يناقش أثمنة كل شيء يشتريه، إلا عمليتين تجاريتين لا يمكنه أبدا أن يماكس فيهما، هما عندما يريد أن يقتني دواء من صيدلية أو كتابا مدرسيا من مكتبة. فالأثمنة محددة  fixe، لذلك فما سنعرضه من أرقام مسنود بوثائق محصلة من مكتبات حصلوا عليها من الموزعين عندما اقتنوا سلعتهم بالجملة، وهي عبارة عن أثمنة بهامش ربح محدد، يتراوح ما بين درهم و ثلاثة دراهم، أي أن الهامش الأكبر يذهب للمطابع وليس للموزعين.
وإليكم المثال البسيط التالي، فبالنسبة للسنة الأولى من التعليم الابتدائي، يصل عدد الكتب فيه ثمانية كتب، وهذا يطرح مشكلة سبق لنا التطرق إليها، وهي مشكلة وزن المحفظة، إذ أن عددا كبيرا من الآباء يضطرون لحمل هذه المحفظات بدلا عن أبنائهم، لكونها ثقيلة، إذن ثمانية كتب مخصصة لتدريس مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والرياضيات والنشاط العلمي والتربية التشكيلية وكراسة التعبير وكراسة الكتابة والتفسير الواضح، وتبلغ كلفة هذه الكتب مجتمعة 86 درهما.
المثير هنا، هو أنه إذا اطلعنا على محتويات كل الكتب المدرسية الخاصة بهذه السنة، أي السنة الأولى من التعليم الابتدائي، سنجد أنها كلها تستعمل للقراءة والكتابة معا دون الحاجة غالبا للاستعانة بدفاتر، وهذا يعني أن الكتاب يصبح «مستعملا» عند نهاية السنة، وبالتالي فالمطابع تضمن كل سنة «زبائن» جددا قياسا لارتفاع نسبة التلاميذ المسجلين، والذين يبلغون هذه السنة 695 ألف تلميذة وتلميذ، وهو رقم يرتفع كل سنة، بمعنى أن عدد الكتب المدرسية التي تم شراؤها هذه السنة الدراسية للتلاميذ الجدد بلغ حوالي 5 ملايين و560 ألف كتاب، أي بمبلغ إجمالي يتجاوز 59 مليون درهم، هذا للسنة الأولى فقط.
أما السنة الثانية من التعليم الابتدائي، فيصل عدد الكتب فيها هي أيضا ثمانية كتب، تباع كلها بمبلغ 93 درهما، أما باقي المستويات فهي ثمانية كتب للسنة الثالثة بمبلغ 128 درهما، نفس عدد الكتب في السنة الرابعة بمبلغ 112 درهما، وفي السنتين الخامسة والسادسة سيصبح عدد الكتب تسعة، ويرتفع الثمن إلى 150 درهما.

إذا رجعنا لإحصاءات وزارة التربية الوطنية، والتي تتحدث عن 4 ملايين و53 ألفا و782 مسجلا بالتعليم الابتدائي، فإن معدل ما تدفعه الأسر المغربية التي لها أبناء في هذا السلك، أي من السنة الأولى إلى السنة السادسة، هو حوالي 488 مليون درهم، دون الحديث طبعا عن ملايين الدراهم التي تصرف على اللوازم المدرسية ومصاريف التسجيل، لاسيما في التعليم الخصوصي.
أما التعليم الإعدادي فيزاد عدد المواد المدرسة، ليصل إلى 13 كتابا لكل سنة من السنوات الثلاث لهذا السلك، وهي كتب مواد التربية الإسلامية واللغة العربية (كتابان اثنان)، والرياضيات والفرنسية والتربية التشكيلية والاجتماعيات والعلوم الفيزيائية وعلوم الحياة والأرض والتكنولوجيا والتربية الأسرية والإعلاميات، مع إضافة كتاب الإنجليزية بالنسبة للسنة الأخيرة من التعليم الإعدادي.
أما الأثمنة الإجمالية للكتب الـ13، فالسنة الأولى إعدادي 241 درهما، والسنة الثانية 256 درهما، وأخيرا السنة الثالثة 263 درهما. وبالعودة دائما لإحصاءات وزارة التعليم، فإنه يمكننا تقدير عدد الكتب التي تم بيعها وشراؤها لهذا السلك، لمليون و670 ألفا و657 تلميذا بالتعليم الثانوي الإعدادي، هم في حاجة لحوالي 21 مليون كتاب سنويا، أي بمبلغ تقريبي يمكن تحديده في 5.4 ملايير درهم، هو المبلغ الذي دفعته الأسر المغربية التي لها طفل أو طفلة في هذا السلك.
كل هذه السوق الضخمة والتي تعرف رواجا بمليارات الدراهم سنويا، تتحكم فيها 43 مطبعة فقط، توفر الكتب المدرسية لستة ملايين و775 ألفا و606 تلميذ وتلميذة، أي ما يفوق 153 ألف زبون، عفوا تلميذ، لكل مطبعة كل سنة.
43 مطبعة تقتسم «كعكة» الكتاب المدرسي بعد أن كانت 11 فقط قبل 2003، 43 مطبعة تحتكر طبع 93 عنوانا لكتاب مدرسي، موجهة لكافة مستويات التعليم المدرسي، وأيضا موجهة لحوالي 7 ملايين تلميذ، أي من التعليم الأساسي إلى الباكالوريا.
ورغم تأكيد الوزارة على تعدد الكتاب المدرسي، إلا أن كل مطبعة تحتكر توزيع مطبوعاتها في جهة أو إقليم لوحدها، وعشرات مؤلفي الكتب المدرسية اغتنوا من «حقوق التأليف»، لكونهم يتوصلون سنويا بنصيبهم من المبيعات، ويتم فرض الاشتغال بها بالرغم من اعتراضات المدرسين والآباء على جودة محتوياتها، ثم إن المطابع بالاتفاق مع بعض المؤلفين خصصت «كراسات» يكتب فيها التلميذ بدل الدفتر حتى لا يستفيد منها تلميذ آخر بعده، ويسميها أهل الاختصاص «كرواصة»، حتى يضطر كل تلميذ جديد لشراء كراسته، وبهذا تضمن المطابع «زبائن» جددا كل سنة، وهذا «خواض» آخر.
قلنا إن عدد المطابع التي تنتج الكتاب المدرسي هو 43 مطبعة، تتكفل بطباعة 101 كتاب مدرسي رسمي، بالإضافة للكتب الأخرى الموازية، كالروايات التي يتم تدريسها في التعليم الثانوي في اللغتين العربية والفرنسية، ثم الكتب الموجهة للتعليم الأولي ومحاربة الأمية وغيرها، بمعنى أنه سوق رائجة كما تمت الإشارة، لكن السؤال هو كيف ستقتسم 43 مطبعة حوالي 78 مليون كتاب يحتاجها تلامذة المغرب كل سنة؟
الجواب يوجد في خريطة توزيع الكتب المدرسية المقررة، والتي يتم الإعلان عنها بموجب مذكرة وزارية كل سنة، وهي أحد الترتيبات التي تقوم بها الوزارة عند كل دخول مدرسي، فإذا أخدنا كتاب اللغة العربية مثلا، سنجد كتبا متعددة، تختلف فقط في الإخراج والألوان والاسم الممنوح لها، أما من حيث المحتوى فهو واحد، بسبب إلزامية احترام التوجيهات الخاصة بالبرامج والمناهج، فنجد مثلا «الواضح في اللغة العربية» و«المعين في اللغة العربية» و«المفيد في اللغة العربية» وغيرها، وهي موجهة لنفس المستوى، وكل اسم أنتجته مطبعة مختلفة، لذلك فهذه الخريطة توزع على كل مطبعة منطقة تحتكرها لوحدها، سواء داخل الجهة وأحيانا داخل الإقليم.
وحتى لا تتعرض أية مطبعة لسياسة «الإقصاء»، فإنها تنال حقها في نفس الجهة أو الإقليم في كتاب خاص بمادة أخرى، فمثلا إذا فرضت الوزارة ألا يتم توزيع كتاب مدرسي لمستوى معين تابع لمطبعة ما في البيضاء، فإن الوزارة تعوض نفس المطبعة بأن تسمح لها باحتكار كتاب مدرسي لمستوى آخر في نفس المدينة، هكذا تتم تغطية كل التراب الوطني بالكتب المدرسية، وفي نفس الوقت تتمكن 43 مطبعة من الاستفادة «على قدم» المساواة في نيل «كعكة الكتاب المدرسي».
فنستنتج أن هذا التعدد يستفيد منه فقط المؤلفون والطابعون والموزعون، أما المدرسون والتلاميذ فمرغمون على التعامل مع كتاب واحد، وهذا يتم تحت إشراف المفتشين أحيانا، وعندما نقول المؤلفين، فإن كل الأسماء التي تتم كتابتها في مقدمة كل كتاب، وأغلبهم مفتشون وأحيانا مدرسون، حصلوا أو يحصلون على الملايين من «حقوق التأليف»، بحسب نوعية العقود التي وقعوها مع المطابع، إذ هناك من وقع على عقد بموجبه يحصل على نسبة أرباح ثابتة أو متغيرة بحسب المبيعات، وآخرون حصلوا بشكل مسبق «على حقوقهم» التي تصل لعشرات الملايين في بعض التخصصات، وهي العقود التي لم يتمتع بها كتاب ومفكرون وأدباء كبار، بعضهم يفضل أن يطبع كتبه في المشرق والبعض الآخر ما يزال يطبع كتبه ويوزعها على نفقته.
هكذا تكتمل دائرة المستفيدين من سوق الكتاب المدرسي، مؤلفون جمعوا موادهم، بعد أن تم تكليفهم من وراء حجاب، ومطابع صارعت بكل الوسائل لتحصل على نصيب لها في عشرات الملايين من الكتب المدرسية التي يتم ترويجها، وموزعون حددوا مناطق «نفوذ» في الجهات والأقاليم وذلك تحت إشراف الوزارة الوصية، بينما الضحية الأولى هي الأسرة المغربية، لاسيما في ظل الارتفاع المهول الذي تعرفه أسعار المواد الغذائية، ثم الضحية الثاني هو التلميذ المغربي، إذ أن 101 كتاب مدرسي والتي يدرس فيها منذ دخوله التعليم الابتدائي إلى غاية وصوله للباكالوريا، لا تجعل منه بالضرورة متفوقا.
والمؤسف حقا هو أنه بدل أن تسارع الحكومة إلى محاربة الفساد في سوق الكتاب المدرسي، بشكل يخفف العبء على الأسر المغلوبة على أمرها، وبدل أن تعيد النظر في البرامج الدراسية، إذ لا معنى لأن يدرس طفل يبلغ من العمر ست سنوات في عشرة كتب تقصم ظهره لكونه يضطر لحملها صباح مساء على ظهره، نراها تدخل سنتها التربوية الرابعة دون أن تنجز شيئا على هذا الصعيد، تماما مثل النعامة التي تدس رأسها في التراب حتى تمر اللحظات العسيرة لهذا الدخول المدرسي اللاهب.

رشيد نيني

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi