مدرسة المشاغبين بقلم رشيد نيني




بعد الفيديو الذي يصور أستاذا يسخر من تلميذة لا تعرف كتابة رقم 5، ظهرت فيديوهات أخرى تعري القناع عن الواقع الحقيقي لتعليمنا العمومي، والذي لم تستطع آلاف الأوراق التي ملئت في تشريحات المجلس الأعلى للتعليم ووزارة التربية الوطنية، رصدها.
أحد هذه الفيديوهات يصور تلاميذ يحدثون ضجيجا صاخبا ويصدرون أصواتا غريبة بشكل تعذر معه على أستاذتهم إنجاز حصتها الدراسية، ولأن بلمختار سبق له أن منع المدرسين من طرد التلاميذ، فإن الأستاذة فضلت أن تطرد نفسها هي وتغادر القاعة، ولما همت بالخروج احتجزها هؤلاء المشاغبون وأغلقوا الباب في وجهها، ليحولوها إلى موضوع للسخرية وتزجية الوقت، هكذا وبكل صفاقة.
أما أستاذة للإعلاميات فقد اجتهدت في فيديو آخر، في لعن «طواسل» تلميذ وأصرت على ذلك رغم احتجاج التلميذ المعني بالسب والشتم، بل وتحدته أن «يفوت الوزير لديك الجيه»، فيما زملاؤه كانوا يصورون هذا «الفيلم» ويقهقهون؟
أما تلميذان في شريط آخر فلم يكتفيا بـ«قلة الترابي» الشفوي، بل اعتديا بالصفع على فتاة وجرداها من ملابسها تحت التهديد بمدية، وقاما بتصوير «غزوتهما» وعرضها في «اليوتوب».
هذه فقط حصيلة أسبوع واحد من «قلة الترابي» التي تعيشها مؤسساتنا التعليمية العمومية ومحيطها هذه الأيام، والسؤال المطروح: هل يتعلق الأمر بحوادث معزولة أم بسيناريوهات محبوكة مدروس توقيت نشرها بعناية؟
ينبغي التحلي بالشجاعة والاعتراف بأن وضعنا التعليمي العمومي أضحى كارثيا، وبكل المقاييس، وأن هذه الأحداث مجرد جبل الجليد الذي يخفي حقائق أفظع، حقائق من قبيل تحول مؤسساتنا التعليمية إلى غابة يسيطر فيها قانون الغلبة، بل إننا نجزم أن هناك مؤسسات تعليمية شبه منكوبة، ثانويات وإعداديات تقع في أحياء فقيرة، حيث المتاجرة في المخدرات بكل أنواعها تتم علانية، ثانويات لا يتم فيها تسجيل التلامذة الغائبين، وأخرى يضطر فيها رجال الأمن للتدخل يوميا لفض نزاعات بين تلامذة «مقرقبين» وأساتذة وإداريين مغلوبين على أمرهم، مؤسسات حيث المدرسون يشترون السلم بالنقط درءا لأي مواجهة مع تلامذة يحملون تحت ثيابهم أسلحة بيضاء بدل حمل الكتب، ويتجنبون تكليفهم بأي واجب منزلي أو مراقبتهم تجنبا لأي احتكاك.
ونحن نتوصل يوميا بعشرات الرسائل الإلكترونية لمدرسين يعيشون الرعب في مؤسساتهم التعليمية، مدرسون استسلموا تماما وأضحوا يحسبون الأيام والشهور في انتظار تقاعد لا يبدو سهلا مع هذه الحكومة غير المكترثة، مدرسون يتجنبون الظهور رفقة أسرهم في الشوارع العامة حتى لا يتعرض ذووهم للأذى، ومدرسات يتعرضن للتحرش من طرف تلامذتهن بمجرد مغادرتهن أسوار المؤسسات التعليمية، ولا يقدرن على الاحتجاج أو التصدي لهذه الأعمال خوفا على سلامتهن.
والسؤال الذي يطرح بحدة هو كيف حصل أن وصلنا لهذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي والتربوي؟ هل يعقل فعلا أن يصل الأمر في الفصول التعليمية إلى هذه الدرجة من انعدام الاحترام بين الأستاذ والتلميذ؟ كيف يحمل تلميذ يافع مدية؟ كيف يتم قبول إدخال الهواتف للفصول الدراسية واستعمالها لتصوير الأساتذة كما لو كانوا ضحايا كاميرا خفية؟ ثم من يتحمل مسؤولية ما وصل إليه واقع تعليمنا من تفشٍ للعنف والابتزاز وانعدام للاحترام؟
ينبغي الاعتراف بأن هذه الأسئلة تتجه، في المقام الأول، إلى مساءلة دور صورة رجل التربية والتعليم في ما يحدث، شرط أن نضع كل المسافات الممكنة مع نظريات المؤامرة، إذ الحقيقة التي لا يمكن لأحد نكرانها هي أن صورته في الماضي ليست هي نفسها صورته اليوم.
صحيح أن هذا الموضوع ينبغي أن يفحص في إطار مقاربة شمولية ترصد مختلف التحولات الاجتماعية والقيمية التي يشهدها المغرب، غير أن اهتزاز صورة رجل التربية في مجتمعنا هي حقيقة مؤسفة وينبغي الإسراع في معالجة هذا الواقع قبل كل شيء آخر.
فكل «الأجيال القديمة» والتي تلقت تعليمها إبان عقود قبل الثمانينات، تتذكر «بحسرة»، صورة المعلم الصارم والعنيف، الذي تعتبر أساليب مثل «الفلقة» والضرب بمسطرة خشبية على الأظافر وبقضبان معدنية على مؤخرات التلاميذ، طقسا يوميا عنده. وبالنسبة لهذه الأجيال فأساليب مثل هذه هي التي خلقت تميز مدرسة هذه العقود، وفي المقابل ينظرون بريبة لكل الدعاوى التي ترسخ مركزية التلميذ في العملية التربوية، ويربطون تدني مستويات التلاميذ بتراجع صرامة المدرسين، وانتشار خطاب «حقوق التلاميذ».
لكن بالمقابل إذا نظرنا لهذه الصورة اليوم، سنجد أن رجل التربية ذاته مسؤول عن الاهتزاز الذي مس صورته في محيطه، ومن جهة أخرى تعتبر هذه الصورة سببا لأغلب القرارات الوزارية والحكومية التي دمرت مكانته الاجتماعية والاقتصادية والرمزية، وجعلته موظفا يدار بذهنية الثكنة، وموظفا يحتج دون أن يكون لاحتجاجه لدى المسؤولين أي قيمة، بعد أن كان عميدا رئيسا ومحركا أول لكل الحركات الاجتماعية في الماضي غير البعيد. ومنطلق هذه الفرضية هو أن جزءا كبيرا من معاناة رجل التعليم اليوم جاءته من أخطائه لا من أخطاء غيره، فلئن كان رجل التربية من حيث المبدأ يجسد الفضيلة في شقيها الفكري والخلقي، فإنه في مقابل هذه الصورة المثالية والتي تجسدها بمعاناة وصدق نسبة مهمة من نساء ورجال التعليم، نجد نسبة أخرى، ونحن هنا لا نعمم، أخطأت الطريق، إذ مكانها الطبيعي في مقاهي السماسرة لا في الفصل الدراسي، وآخرون مكانهم الطبيعي في المؤسسات السجنية لا في المؤسسات التعليمية، فأما السماسرة فمنهم سماسرة يتاجرون ويتوسطون في بيع وشراء وكراء كل شيء، بدءا من الملابس المستعملة وصولا إلى السيارات والمنازل والبقع الأرضية، ومنهم أيضا «سماسرة موقف» يتوسطون بين الزبائن والخادمات وأصحاب المهن الأخرى مقابل عملات يحصلون عليها من كل الأطراف، وفئة من التجار انخرطوا في مشاريع تجارية وخدماتية، ومنهم أيضا من يشتغل في كل شيء بحسب المواسم والفصول، نجد منهم فئة تودع الاهتمام بالفصول الدراسية أيام عيد الأضحى ونراهم يشتغلون «شناقة» في الأسواق، ومنهم أيضا من يتاجر في زيت الزيتون وغيرها.
أما تجار المعرفة فهذه حكاية أخرى، حيث نجد حالات كثيرة لمدرسين يجبرون التلاميذ على الساعات الخصوصية، بنهج مختلف الوسائل لتحقيق أكبر دخل شهري ممكن، إذ هناك مدرسون يتعمدون التشدد في تصحيح الفروض مع التلاميذ الذين يمتنعون عن الالتحاق بـ«حوانيتهم» التي يجرون فيها الدروس الخصوصية، وفي المقابل يتساهلون مع «زبنائهم» من التلاميذ ويمنحونهم معدلات بحسب ما يدفعونه شهريا، فمعدل تلميذ يدفع للأستاذ خمسمائة درهم للشهر ليس هو من يدفع مائتين وهكذا، حتى أنه في المدن الكبرى أصبح بعض مدرسي مواد بعينها «أغنياء جددا»، يتجاوز دخلهم الشهري دخل مدير ديوان وزير، وهذه حقيقة لا مبالغة فيها.
نكاد نجزم أنه لا تخلو مؤسسة تعليمية من حالات سابقة، لسماسرة في كل شيء، بالإضافة إلى سيادة بعض الأساليب غير اللائقة برجل تربية، كأن تجد مدرسا يحرض التلاميذ على إهانة مدرس آخر، ومدرس يحرض تلميذات على التحرش بمدرس آخر قصد تشويه صورته، ومدرس يفشي أسرار مدرس آخر للتلاميذ للتلذذ بسخريتهم منه. أما رجال التربية الذين يعد السجن مكانهم الطبيعي فنجدهم «متوفرين» بكثرة في الجامعات، حيث يستغل بعضهم نظام المجزوءات، والذي يجبر الطلبة على الاهتمام بجميع المواد لابتزاز الطالبات بأجسادهن، وهذه حقائق ملموسة في كل الجامعات المغربية، ولكن جدارا سميكا من الصمت والخوف يمنع ظهورها إلى العلن.
أما العلاقة بالنقابات، فالكل بات يعرف أن التهافت اليوم لخوض إضرابات لا يوازيها التزام من طرف أغلب رجال التعليم في النقابات المضربة، إذ نجد حالات كثيرة لرجال تربية يضربون مع كل النقابات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مع أنهم غير منخرطين في أي واحدة منها، وآخرين ينخرطون في جميع النقابات.
إن الحالات التي تمت الإشارة إليها ليست من صنع الخيال، ولكنها تنطبق بهذه النسبة أو تلك على فئات مهمة من رجال التربية والتكوين، وهي بدون شك تعتبر عاملا مهما من ضمن عوامل أخرى أدت إلى اهتزاز صورة رجل التربية في محيطه.
على صعيد آخر، ينبغي الإقرار بأن المقاربة الأمنية الجزائية، والتي كان أحد تجلياتها في السنوات الأخيرة التعاقد مع الشركات الأمنية الخاصة للمساهمة في ضبط ظاهرة الانفلات الأمني في المؤسسات التعليمية، هي مقاربة أحادية تنطلق من فرضية خاطئة، وهي أننا عندما نرهب المتعلم بالشرطة أو الدرك، أو بالطرد فإننا قد نصلحه، لكن هذه الفرضية تتهاوى من داخل العلاقة بين مفهوم الجريمة والعقاب ومفهوم الحق، حيث أن من يخافون العقاب دوما هم الأشخاص الملتزمون والمحترمون أصلا، وبالتالي فعندما نكون السبب في إدخال المتعلم لمخفر الشرطة والدرك، فإن احتمال تحوله إلى زائر دائم لهذه المخافر أمر وارد نكون نحن علته المباشرة، وكذلك عندما نصدر جزاء بفصل متعلم ما من الدراسة في غياب بديل اجتماعي قادر على استيعابه.
إن المعركة الكبرى لاحتواء ظاهرة العنف المدرسي، تبدأ من ساحة الذهنيات المقاومة لوتيرة التغيير الذي تشهده المدرسة المغربية، ذهنيات لا زالت تعتبر السؤال النقدي الذي قد يطرحه التلميذ على الأستاذ تطاولا، وتعتبر التواصل إنقاصا للهيبة والوقار، فأن يناقشنا متعلمونا في طرائق تدريسنا أو طرائق تقويمنا أو طرائق تواصلنا معهم، فهذا أمر صحي جدا لنا ولهم وللحياة المدرسية عامة، بل إننا بهذا نقدم خدمات جليلة للمحيط الاجتماعي، وبالتالي لا يجعل منهم هذا غير مؤدبين يستحقون لعنتنا.
المسؤولية تشمل الأسرة أيضا، فعندما ينخرط الآباء أو الأولياء في مناصرة أبنائهم ضد مدرسيهم وإداريي مدارسهم، دون حتى معرفة حيثيات المشاكل التي وقعوا فيها، كالحالة التي عرفتها مدينة مراكش عندما تدخل أب لتعنيف أستاذ قام بما تقتضيه مهمته كمراقب في الامتحان الوطني، وهو منع تلميذة من الغش، فعوض أن يصبح الأب مربيا لأبنائه وبناته على قيم النزاهة والجدارة والعمل، نجده يعطيهم أسوأ الدروس والمتمثلة في الوساطة والغش واحتقار الآخر، مثل هؤلاء الآباء، وهم كثر للأسف، يتحملون تبعات تحول أبنائهم إلى متشردين وجانحين وزوار دائمين للمخافر والسجون.
إن الحاجة ملحة لتفعيل الحياة المدرسية بالأنشطة المندمجة، التي تعزز العرض التربوي للمدرسة، عبر فتح مراكز إنصات في المؤسسات التعليمية، وإشراك الأسر في صلب الأنشطة المندمجة في المدرسة، والحاجة ملحة أيضا لتأسيس تقليد اللقاءات المفتوحة مع التلاميذ والتي تقرب المسافات العاطفية والوجدانية بين المدرس والإداري من جهة والمتعلم من جهة أخرى، ضدا على رغبات البعض بضرورة الإبقاء عليها لأنها في نظرهم مرادفة للاحترام، ثم تفعيل المقاربة الوقائية في تحركات مجلس التدبير للمساعدة المادية والاجتماعية للمتعلمين الذين ينحدرون من أوساط أسرية متفككة أو غير مستقرة، بعيدا عن المساعدات المناسباتية والخيرية التي قد تسيء لبعض المتعلمين أكثر مما تحسن إليهم.
هكذا يمكن إصلاح أحوال المدرسة، أما الاكتفاء بالندوات واللقاءات التي لا تستحق حتى ثمن الحبر الذي تكتب به تقاريرها، فإن الوضع يزداد تدهورا يوما عن يوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة