السبت، 28 مارس، 2015

الشراكة التربوية و تطبيقاتها في التعليم

بتاريخ : 21:11




تقديم
اقترن ظهور نظام الشراكة ، بالعديد من التحولات التي شهدها عالمنا المعاصر في جميع الميادين وانبثقت عنها بعض المفاهيم من مثل: المساهمة، اللامركزية ، الجهوية ، الاندماج، احترام الخصوصيات، انفتاح المؤسسات على محيطها… تلك المفاهيم التي تشكلت وتبلورت لينبثق عنها توجه جديد في العديد من المجالات الاقتصادية و الاجتماعية.
وانطلاقا من هذا التوجه ، ازدهرت دراسات تربوية تسعى إلى إعادة هيكلة الأنظمة التربوية لتستجيب لتلك التحولات ولتساهم في إعداد الفرد لمواجهتها . فشرعت في الاهتمام بموضوع الشراكة التربوية وتطوير مفاهيم الفعالية وترشيد التعليم وبشكل عام هندسة التكوين، انسجاما مع السياق الاقتصادي والثقافي الجديد.
وسنحاول في هذا الإطار ،توضيح بعض المفاهيم المرتبطة بنظام الشراكة التربوية وبيان خصوصيات انتشارها وسبل الاستفادة منها و بيان إمكانية توظيفها في تطوير كليات التربية و إصلاح التعليم العالي بشكل عام .
و قد يفيدنا توضيح تلك المفاهيم ، وتقريبها لمتناول العاملين في الحقل التربوي ، في تسليط الأضواء على العديد من القضايا المرتبطة بها من مثل: ما هي خلفيات اقتراح توظيف نظام الشراكة في المؤسسات التعليمية ؟ و ما هي دواعي اقتراح خطة الشراكة التربوية ؟ وهل يمكن أن تنسجم مع خصوصيات أنظمتنا التعليمية و تستجيب لاحتياجات مجتمعاتنا العربية ؟
ثم ما هي أفضل الطرق لتطبيق هذه الخطة في المؤسسات التعليمية سواء على صعيد التعليم العام أو التعليم العالي ، وفي كليات التربية بالذات و ما هي معوقاته ؟
كذلك من المبادئ التي نود ترسيخها من خلال هذه الدراسة ، مبدأ التكامل والاندماج. إننا نعتقد أن أي خطة نقترحها لتطوير وتحديث المؤسسات ، سواء تعلقت بالهياكل أم بالمناهج و الطرق والوسائل أم بنظام العلاقات و التواصل … لابد وأن تصيب الكل قبل الجزء وتراعي التكامل والانسجام بين مختلف مكونات المنظومة التعليمية ، حتى لا تأول إلى ما تأول إليه في العادة وباسم التجديد، الإصلاحات الجزئية و الظرفية و المشاريع الموازية في التعليم .
كما نود أن نبين في نهاية التحليل ، أهمية بل و ضرورة انفتاح كليات التربية و مؤسسات التعليم العالي بشكل عام ، على محيطها الاقتصادي و الاجتماعي ، من خلال إقامة مشاريع الشراكة مع مؤسسات القطاعين العام و الخاص ،و تأثير ذلك في صياغة المناهج و الخطط الدراسية ،و في الأنشطة الثقافية و الاجتماعية و في تحديد طبيعة البرامج التدريبية و نوعية الدراسات و البحوث العلمية المطلوبة و استغلال نتائجها سواء في أداء المهام الأساسية لتلك الكليات أو في تلبية بعض احتياجات المجتمع الذي تنتمي إليه.
1 ـ معنى الشراكة التربوية
في المجال التربوي فإن مختلف التعريفات لمصطلح الشراكة وكلها حديثة نسبيا، تحدد الشروط الدنيا التي تميز الشراكة عن غيرها من أشكال التعاون. تلك الشروط التي تلتقي كلها عند فكرة انفتاح المؤسسة التعليمية على المجتمع ؛ بحيث يهيأ المجال لتقديم خدمات من طرف متدخلين من خارج المؤسسة وتقديم المساعدات من الممولين وإقامة علاقات تبادل واتصال في إطار شبكات وبنيات مرنة . كما يسمح للمؤسسة التعليمية بالتفاوض وإبرام اتفاقيات بينها وبين أطراف أخرى معترف بها ولها سلطة القرار .
الجديد إذن، هو أنه ومنذ أواسط الثمانينات ، بدأت الشراكة تبرز وتتسع لتشمل قطاعات من مجال التربية والتعليم والذي لم يكن قد عرف هذا النظام، مثل التعليم العمومي بالإعداديات و الثانويات في بعض الدول الأمريكية (ككندا والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص) قبل أن ينتقل إلى العديد من الدول الأوروبية مثل إسبانيا وفرنسا(Lorcerie F. 1991 ).
ولعل أهم ما أتى به نظام الشراكة هو العمل على تحقيق مدرسة منسجمة مع محيطها. إن ما يفسر ظهور مصطلح شراكة هو التغيير في الرؤية لعلاقة المدرسة مع كل من كان يعتبر شريكا لها من قبل. لقد أصبح لهؤلاء الشركاء دور يلعبونه في إنجاز مهام وأهداف المصالح و الهيآت التربوية الوطنية .
وبصفة عامة عندما تطبق الشراكة في المجال التربوي ، فإنها تكون في الغالب بين مؤسستين أو أكثر، وتندرج في إطار مشاريع تطوير المؤسسات وتحديثها ، وتجنيد جميع الفاعلين ( الطلاب ، المدرسين، المهنيين ، الإدارة…) لتطوير العمل التربوي و تحديثه.
و يقتضي نظام الشراكة أن تحترم كل مؤسسة المؤسسات الأخرى المتعاونة، فيما يتعلق مثلا، بالتشريعات و اللوائح التنظيمية و باستعمالات الزمن والمقررات الدراسية وخبرة المدرسين و الهياكل التربوية الموجودة…(L.P.Jouvenet 1993).
كما تقتضي أن تقدم كل مؤسسة دعما للمؤسسات الأخرى ، كأن تضع رهن إشارتها مختلف الإمكانيات المادية والبشرية المتوفرة…
وأن تنفتح كل مؤسسة على الأخرى في اتجاه الانفتاح على المحيط الاقتصادي و الاجتماعي .
2- عوامل ظهور الشراكة في المجال التربوي
تضافرت العديد من العوامل وراء ظهور الشراكة التربوية على الصعيد العالمي، وهي في مجملها نفس العوامل التي شجعت بشكل عام، ظهور ما يعرف بمشروع المؤسسة كأداة للتطوير والتجديد التربوي في الأنظمة التعليمية. فارتبطت الشراكة التربوية فيها، بالعديد من التحولات السياسية والاجتماعية التي عايشتها في العقدين الأخيرين.
وتقدم دنيال زاي Danielle Zay ( 1994) تحليلا للتطور الموازي الذي حدث في المجتمعات الغربية، تستخلص فيه أهم السمات التي تفسر ظهور وتطور نظام الشراكة.
من هذه السمات على سبيل المثال، سياسة الإصلاح والتجديد التربوي في أمريكا و التي أوجدت الرغبة في التشارك داخل النظام المدرسي، بين هذا النظام وبين المؤسسات الاجتماعية الأخرى.
و من السمات البارزة كذلك، تحول المجتمعات الخاضعة للصناعة إلى مجتمعات تابعة للإعلام والاتصال والخدمات وتعاظم الوعي فيها، بأهمية “التبعية المتبادلة” بين مختلف القطاعات. وتضافر ذلك مع عوامل نظرية وعملية شجعت على خلق أنشطة للتعاون بين المؤسسات لحل المشاكل المشتركة، من مثل مشكلة الفشل المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة وما يخلفه من آثار سيئة على الأفراد والجماعات.
كما ارتبطت الشراكة في المجال التربوي بالعديد من التحولات الأخرى سياسية واجتماعية وثقافية والتي شهدها العالم في العقود الأخيرة.
“فقد ارتبطت بالتحول الذي طرأ على العديد من الأنظمة التي مرت من فترة “الصراع الطبقي”، ذي التوجه الماركسي والذي ميز الستينات والسبعينات من قرننا الحالي (صراع الطبقات، صراع النقابات في مواجهة المقاولات…) إلى مجتمع التوافق والتعايش وتبادل المصالح، وحدث ذلك بموازاة مع أفول الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي وبداية انشتار النموذج الليبرالي خاصة الألماني في الثمانينات “. ( محمد ساسي 1995).
كما نشطت الشراكة في المجال التربوي بفعل ظهور “التوجه إلى المحلي” وبالأهمية المتعاظمة للأقاليم و المناطق والجهات الاقتصادية والمدن والتجمعات السكنية في الأحياء. الأمر الذي أتاح إمكانيات واسعة للمبادرة والاستقلال في اتخاذ القرار على كافة الأصعدة، بما فيها المؤسسات المدرسية والتي أصبحت في مستوى التفاوض و إبرام الاتفاقيات والدخول في علاقات تعاونية مع محيطها .
3 – أنماط الشراكة في التربية
على الرغم من حديثنا عن الشراكة التربوية بين المؤسسات التعليمية ، فإن مفهوم الشراكة في نظرنا، أوسع بكثير من أن نحصره ونصنفه في نوع واحد أي في الشراكة بين المؤسسات التعليمية. فهناك إمكانية الشراكة بين مؤسسات تعليمية وطنية ومنظمات دولية مثل اليونيسيف أو اليونسكو أو الأيسيسكو ، ومؤسسات البعثات التعليمية والمراكز الثقافية الأجنبية …والتي تقدم مساعدات في إطار اتفاقيات التعاون الثنائي و كذلك هناك المراكز التابعة للبعثات العربية … الخ. كل هذه المؤسسات لها إمكانيات مهمة يمكن أن توظف في مشاريع شراكة بينها وبين المؤسسات التعليمية الوطنية ، لهدف الرفع من مرودية التعليم ومن جودته، ولهدف تقديم الدعم لحل العديد من المشاكل التي تعاني منها المؤسسات، بما يعود بالنفع على جميع الأطراف .
بالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نتحدث عن أنماط أخرى من الشراكة، وهي الشراكة التي قد تتم بين مؤسسات تعليمية وأخرى غير تعليمية أو هيئات من مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. كأن تعقد شراكة بين مؤسسة تعليمية وبين مكتب وطني ( مثل المكتب الوطني للماء و الكهرباء أو المكتب الوطني للغاز …) أو مقاولة للخواص أو مؤسسة حرة مثل البنك أو جمعية ثقافية أو مهنية أو رياضية…
وبصفة عامة وانطلاقا من هذه الملاحظات التي تؤكد غنى مفهوم الشراكة وتعدد أنماطها في المجال التربوي يمكننا أن نتحدث عن نمطين للشراكة وذلك إما :
1ـ حسب المجال الذي تصيبه،
2ـ أو حسب الأطراف المشاركة،
1 ـ بالنسبة للنمط الأول تتحدد فيه الشراكة حسب المجال الذي تغطيه أي حسب الميدان الذي تندرج ضمنه، فتكون في هذه الحالة الشراكة إما :
ـ شراكة ثقافية، أي التي تصيب الميدان الثقافي مثل إنتاج أو إنشاء معمل للتطبيقات الفنية والإبداعية والنشاط المسرحي وغيره،
ـ أو شراكة اجتماعية وهي التي تمس المجال الاجتماعي ويكون الموضوع الأساسي لالتقاء الشركاء ذي طبيعة اجتماعية. ويخدم أهدافا اجتماعية داخل المؤسسة لصالح الطلاب أو المدرسين، وقد تتفاعل المؤسسة في هذا النوع مع مؤسسات اجتماعية مختلفة لخدمة بعض الفئات الخاصة في المجتمع مثل الأميين .
ـ أو شراكة اقتصادية والتي يمكن أن تتم بين المؤسسات التعليمية وبين المقاولات على مختلف أصنافها وأحجامها.
2 ـ النمط الثاني من الشراكة يمكن أن يتحدد حسب نوع الشركاء، أي بطبيعة وخصوصية الأطراف المتعاونة في الشراكة، وفي هذه الحالة يمكننا الحديث عن شراكة داخلية أي التي تتم داخل المؤسسة الواحدة وتكون الأطراف متواجدة في المؤسسة ولهم علاقة مباشرة بسيرها العادي والطبيعي
وهناك شراكة خارجية ففي هذه الحالة يمكن أن تكون الشراكة بين المدارس و كليات التربية وبين الكليات والمعاهد العليا و مراكز التدريب في الجامعات أو المراكز التربوية التابعة لوزارة التعليم العالي أو جامعة السلطان قابوس أو لبعض الجامعات الخاصة مثل جامعة صحار وغيرها.
وقد يستدعي هذا النمط من الشراكة متدخلين من خارج المؤسسة التعليمية ، يساعدون على إتمام و إغناء برنامج تربوي موجود و محدد سلفا .كما قد يستدعي تحويل الطلاب من مجالهم الطبيعي إلى مجال آخر ، مثلما يحدث في التداريب في المقاولات و الزيارات المنظمة لمؤسسات صناعية أو منشآت للخدمات الاجتماعية أو مثلما يحدث حاليا في برامج التربية العملية المشتركة بين كليات التربية و المدارس.
* * *
ملخص هذا، أن مفهوم الشراكة في المجال التربوي، مفهوم غني ، يقدم إمكانيات متعددة تفتح أمام مدارس التعليم الأساسي و الثانويات و الكليات والنظام التربوي برمته، آفاقا واسعة، مما يعطي لمفهوم المنهاج الواسع و الشامل بعده الحقيقي ولمفاهيم الاندماج والتواصل و التفتح والتكامل مع المحيط ، أبعادها العميقة.
4 - أهداف و مجالات تدخل نظام الشراكة التربوية
ما هي الأهداف التربوية التي يمكن أن تتحقق في إطار مشاريع الشراكة بين كليات التربية والمؤسسات التعليمية بشكل عام و غيرها من مؤسسات المجتمع ؟ وما هي المجالات التي يمكن أن تشكل موضوعا للتعاون بينها ؟
إن الجواب عن هذا السؤال يعني وضع أساس آخر أو معيار جديد من معايير تنميط أنواع الشراكة التربوية. وهو معيار الأهداف التربوية التي يمكن تحقيقها، سواء لفائدة الطلاب أو المدرسين أو لصالح مؤسساتهم أو مجتمعهم بشكل عام. وفي هذه الحالة ستتعدد الشراكة بتعدد الأهداف المتوخاة وستتنوع بتنوع المجالات التي سيشملها النشاط التشاركي.
وسنعمل في الفقرات اللاحقة على استعراض أمثلة عن أهداف تربوية يمكن أن تصاغ لمشاريع الشراكة، على أن نربطها بالمستوى الدراسي (المرحلة التعليمية ) الملائم. ونقدم، في الوقت ذاته، أمثلة ونماذج من أنشطة ومجالات يمكن أن تتبلور بفضلها تلك الأهداف.
مرحلة التعليم الأساسي
يعمل التعليم الأساسي بسلكيه ( الحلقة الأولى و الحلقة الثانية ) وبشكل عام، على تحقيق العديد من الأهداف التربوية والتي يمكن أن تعاد صياغتها في مشاريع الشراكة التربوية ، نذكر منها على سبيل المثال في مجال العلوم :
ـ جعل التلاميذ عنصرا للتطور والنماء، قادرين على استيعاب العلوم والتكنولوجيات الحديثة وتوظيفها (الإعلاميات، المجال السمعي البصري…) متشبعين بالروح العلمية وبمنهجية البحث العلمي والتفكير الموضوعي (إجراء تجارب علمية في المختبرات، إعداد وثائق وملفات في مواضيع علمية، المشاركة في أولمبياد الرياضيات وغيرها من المواد…) .
ـ و في هذا السياق وتحقيقا لما ينشده تدريس العلوم من اندماج وثيق بين الجانب النظري والجانب العملي ، فإن الكليات في إطار الشراكة، يمكن أن تتجهز بالأدوات والوسائل التعليمية الكافية وتجهز المختبرات و تزودها بالعدد الكافي من المحضرين وتجهز الخزانات ومراكز مصادر التعلم بالكتب و المجلات المتخصصة …
ـ وضمانا لاستفادة التلاميذ من برامج المواد العلمية بشكل أوسع ومندمج فإن الشراكة يمكن أن تغطي مجال الإعلام (البرامج والوثائق والأشرطة العلمية التي تقدمها الإذاعة و التلفزة والصحف والمجلات الوطنية ودور النشر والتوزيع وشبكات الانترنيت …) وفي هذه الحالة يمكن أن يتجه نشاط التشارك لمؤسسات التعليم العالي إلى تلك الجهات الإعلامية لتعميق التعاون بينها جميعا ، لإعداد البرامج المناسبة واختيار الأشرطة والوثائق والعمل على إعداد بعضها بمشاركة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وعقد ندوات على هامش ذلك.
و في مجال الاجتماعيات نستشهد بالأمثلة التالية :
ـ يمكن لأنشطة الشراكة ، أن تعمل على مساعدة التلاميذ على إدراك العديد من المفاهيم من مثل مفهوم مجالي الزمان والمكان، و مساعدتهم بالتالي على فهم واستيعاب الظواهر الاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية. فتتضمن تلك الأنشطة عروضا في التاريخ والجغرافيا للمدينة أو للمنطقة وتنظيم خرجات(رحلات) وزيارة المتاحف وإعداد ملفات و تنظيم معارض …
ـ كما يمكن أن تعمل تلك الأنشطة على إكساب المتعلمين القدرة على التفتح على الحضارات والثقافات الأخرى و التفاعل والاندماج مع العالم الخارجي (المحيط الاجتماعي والطبيعي) وتوعيتهم بضرورة حماية البيئة (احترام قوانين الحياة وقواعد الصحة والسلامة وحماية البيئة ومواجهة الحوادث والكوارث، التعرف على الإمكانيات المادية والطبيعية في محيط المؤسسة، دراسات جيولوجية، دراسة أشجار ونباتات و حيوانات المنطقة… دراسة الحي بما فيه من سكن ومرافق إدارية ومهنية وصحية غيرها…).
مثال عن مشروع للشراكة التربوية في هذه المرحلة :
مشروع المكتبة المتنقلة :
ضمن برامج التعاون و الشراكة مع القطاع الخاص لدعم مسيرة النهضة العمانية في مجال التعليم ، تقدم بنك HSBC في إطار برامج دائرة تقنيات التعليم بمنطقة جنوب الباطنة ، بتمويل مشروع المكتبة المتنقلة ، المتضمن تجهيز حافلتين و تزويدهما بالكتب و المواد ومصادر المعلومات المتنوعة و الأجهزة المناسبة .
أهداف المشروع :
يهدف هذا المشروع إلى :
توفير مصادر المعلومات المتنوعة للمدارس التي لا توجد بها مكتبات مدرسية و هي في الغالب مدارس في المرحلة الإعدادية ، بحيث يتكامل المشروع مع مشروع القارئ الصغير و الذي يتوقع أن يلبي احتياجات تلاميذ مدارس المرحلة الابتدائية أيضا ، بحيث تمتد خدمات المكتبات و المعلومات إلى معظم تلاميذ و معلمي المنطقة ، وتحفيزهم على القراءة و البحث و تطوير مهاراتهم و تشجيع التعلم الذاتي و تدعيم المناهج الدراسية إلى جانب تحقيق بعض أهداف التربية المكتبية المتمثلة في إكساب التلاميذ مهارات التعامل مع المعلومات ومصادرها .
خطوات التنفيذ :
انطلق هذا المشروع منذ بداية العام الدراسي 2002-2003 ، و تضمنت خطوات التنفيذ قيام البنك بإعداد السيارتين و فق المواصفات التي حددتها دائرة تقنيات التعليم ، كما قامت الدائرة باختيار مصادر المعلومات و تحديد مواصفات الأجهزة بالسيارتين و تم إعداد الكتب للتداول .
كما تم تدريب أمناء المكتبات على إدارة المكتبتين .
و من الخدمات و الأنشطة التي قدمتها المكتبة المتنقلة ، خدمات الإعارة للتلاميذ و المعلمين ، و خدمات ثقافية و إعلامية مثل الندوات و العروض التعليمية و الترفيهية باستخدام التلفزيون و الفيديو و المسابقات و المساهمات في الصحافة و الإذاعة المدرسية و النشاط الموجه مثل التلخيص ، مناقشة مواضيع الساعة ، التعبير الحر ، استخدام الحاسوب…
المرجع الميداني
تبين المرجع الميداني لزيارات المكتبة المتنقلة في منطقة جنوب الباطنة ، الإقبال الكبير على المكتبة و الحرص على الاستفادة منها من خلال تقرير المنطقة .و قد لاقت المكتبة ترحيبا شديدا و إقبالا من التلاميذ و المعلمين و أولياء الأمور .(“دائرة تقنيات التعليم ،ماذا تقدم لتحقيق التطور المعرفي ؟ تقرير حسن أحمد جعبوب ، جريدة عمان ، عدد 19مارس 2003 ،مسقط )
مرحلة التعليم الثانوي :
سيكون من الصعب في هذه العجالة ضبط الأهداف وإحصاء مجالات التدخل الممكنة في هذه المرحلة و في إطار الشراكة التربوية. لكن وعلى الرغم من ذلك، يمكن تقديم بعض الأهداف وبعض الأنشطة التعليمية، على سبيل المثال ، والتي يمكن أن تشكل قاعدة مشتركة ومنطلقا للتعاون بين الثانويات وبينها وبين مؤسسات تكوين الأطر أو المنظمات والمقاولات والجمعيات من خارج مجال التعليم .
ومن الأهداف الممكن تحقيقها في ارتباطها بمشاريع الشراكة ، نذكر على سبيل المثال :
ـ اعتبارا لما نطمح إليه من مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي فلا بد من إيلاء تدريس الإعلاميات العناية الكافية. وفي هذا الإطار يمكن لأنشطة الشراكة التربوية أن تسهل إدخال استعمال الآلات الحاسبة في البرامج التعليمية، كخطوة أساسية للانفتاح على الإعلاميات وبرامجها والتي تعتبر وسيلة جديدة للتواصل.
ـ ونظرا لأهمية التوثيق والإعلام فإن نظام الشراكة يمكن أن يعمل على توفير (أو تطوير) مراكز مصادر التعلم و الخزانات داخل كل مؤسسة. وتكون على اتصال وثيق ببقية المراكز داخل المنطقة الواحدة أو على الصعيد الوطني، ويكون من أبرز أهدافها :
ـ تنظيم الخزانة المدرسية بأسلوب علمي يسمح بتوسيع استغلالها ليشمل الآباء وسكان الحي. فتتحقق بذلك فكرة “الخزانة ذات البابين” خصوصا في الوسط القروي ، مما يعمل على نشر إشعاع ثقافي في هذا الوسط. وتزويد مركز مصادر التعلم بالوثائق (الكتب والمجلات…) والأدوات والحواسب وآلات الاستنساخ والوسائل السمعية البصرية.
ولبلوغ تلك الأهداف يمكن أن تعمل مشاريع الشراكة على دعم العملية التوثيقية بأطر إعلامية مقتدرة، تلقت تكوينا كافيا وفي هذه الحالة يمكننا أن نقترح دخول الثانويات في علاقة شراكة مع مؤسسات إعلامية مختصة مثل معاهد علوم الإعلام و الصحافة و مراكز التوثيق و دور النشر و دور الإذاعة و التلفزة أو بعض الجرائد والمجلات الوطنية …
ـ المساهمة في تكوين المدرسين على تقنيات التوثيق والإعلام وعلى أساليب البحث العلمي و التربوي بشكل عام، سواء في ارتباطهم بمهنة التعليم أو بالنسبة لتكوينهم الخاص.
ـ تعويد المدرسين والطلاب على لغة المعلوميات واستعمال الحاسوب سواء في نشاط التوثيق والإعلام أو في النشاط التعليمي بشكل عام.
ـ تسهيل إدخال السعمي ـ البصري إلى المدرسة وإلى الأقسام والمساهمة بالتعاون مع مؤسسات مختصة (مثل دور الإذاعة و التلفزة أو المراكز السينمائية …) في تكوين المدرسين و الطلاب على إنتاج السمعي ـ البصري واستعماله.
ـ تطوير بعض الممارسات الخاصة بالتواصل والإعلام، مثل إعداد صحيفة القسم، وصحيفة المؤسسة ( المجلة الحائطية ) أو صحيفة المواد…
مثال عن مشروع للشراكة على مستوى التعليم الثانوي :
انطلق مشروع الشراكة هذا سنة 1995 بين ثانوية الحسن الثاني وثانوية عمر الخيام بالرباط بالمملكة المغربية ، من جهة والمعهد التقني انطونيو زانون A. Zanon بمدينة أودين Udine الإيطالية، بمبادرة من مجموعة عمل مختلطة تضم أساتذة من هذه المؤسسات بالإضافة إلى مديرة ثانوية عمر الخيام ومدير ثانوية الحسن الثاني بالرباط (منسق المجموعة) والأستاذة طامبورليني مدرسة اللغة الإيطالية.
أهداف المشروع:
نشأت فكرة المشروع من الطلاب أنفسهم والذين أقاموا علاقات صداقة وتواصل بفضل المراسلة بينهم وبين زملائهم في المؤسسات الأخرى (خلال السنة الدراسية 93/1994). فكان أهم أهدافه التعارف والتواصل “تعرف الطرف الآخر على ثقافتنا، وتعرفنا بدورنا على حضارته، بغية تواصل حقيقي وسليم مبني على احترام مقومات حضارة كلا المجتمعين وبث روح الصداقة والتسامح والسلم.”
إن هذا المشروع (مشروع التواصل الحضاري والتبادل الثقافي) هو مشروع تربوي تعليمي بالأساس يسعى فضلا على الرفع من مستوى الطلاب في اللغات الأجنبية خاصة الإيطالية والتعارف المباشر بفضل تبادل الزيارات، على المعالم الحضارية وعلى المكونات الاجتماعية في البلدان الأخرى، إلى ترسيخ قيم التسامح والصداقة والتفاهم بين التلاميذ من جنسيات مختلفة مما يخدم قضايا التنمية والسلام.
خطوات إنجاز المشروع :
الخطوة الأولى: لعل أهم نشاط تم إنجازه في إطار هذه الشراكة هو تبادل الزيارات بين مجموعات من الطلاب المغاربة والإيطاليين من المؤسسات المشتركة في المشروع. ومن خلال هذه الزيارات تم تنظيم العديد من الأنشطة العلمية والفنية والرياضية والثقافية بشكل عام.
وكان أول نشاط أنجز فعلا هو زيارة مجموعة من طلاب معهد زانون (19 طالباً) للمغرب، حيث استفادوا لمدة 13 يوما من برنامج ثقافي وتربوي مكثف .
أنشطة ثقافية وتربوية :
ـ كما نظمت بموازاة برنامج الزيارات، سلسلة من الجلسات والمحاضرات والعروض السينمائية، حول :
ـ الدين الإسلامي .
ـ الأدب المغربي في القرن العشرين.
ـ تاريخ المغرب المعاصر.
ـ الموسيقى المغربية.
كما نظمت سهرة غنائية من إنجاز الطلاب .
الخطوة الثانية : ومن الأنشطة الهامة التي نظمت في إطار هذه الشراكة، زيارة قام بها 20 طالبا من ثانويتي الحسن الثاني وعمر الخيام (شعبة اللغة الإيطالية) إلى إيطاليا والتي قضوا بها 11 يوما ، زاروا خلالها فضلا عن مدينة أودين Udine والتي يوجد بها معهد زانون (الطرف الثالث في هذه الشراكة) مدنا أخرى ومعالمها السياحية والتاريخية.
هذا واستفاد الطلاب المغاربة صحبة مرافقيهم من التلاميذ الإيطاليين خلال إقامتهم بمدينة أودين من العديد من الأنشطة الثقافية والفنية والإعلامية والرياضية.
كما شاركوا رفقة الأساتذة المؤطرين بأنشطة داخل أقسام الدراسة خلال حصص الاجتماعيات وغيرها من المواد الدراسية. كما شاركوا في الندوة التقييمية التي عقدت لتقويم اللقاء ومناقشته وكذا في برامج إذاعية و تلفزية واستجوابات صحفية.(عبد السلام أحلالوم ، 1996 ).
مرحلة التعليم العالي :
تقدم مرحلة التعليم العالي مجالا خصبا لتطبيق نظام الشراكة التربوية و ذلك للعديد من الاعتبارات ، نذكر منها :
تحول الجامعات و مؤسسات التعليم العالي ، من مجرد كونها مؤسسات أحادية التوجه و الوظيفة إلى التعددية في الوظائف و التخصصات و الأقسام، الأمر الذي يجعل دورها أكثر أهمية و خطورة في المجتمع . كما أصبح البحث العلمي يحتل منزلة رفيعة في هذه المؤسسات مما خولها لأن تلعب دورا رائدا في تطوير أسباب الشراكة و التعاون الدولي عن طريق تبادل المعلومات و التعاون العلمي .
كما تتميز الجامعات بتقاليد الاستقلال الذاتي و قيام العاملين فيها بإدارة شؤونهم و تنظيم العمل العلمي و الإداري .لذلك فأن ما تقتضيه مشاريع الشراكة التربوية من حرية في المبادرة و استقلالية القرار تجد في الجامعة مرتعا لها نظرا لما أصبحت تعرفه مؤسساتها من حرية و استقلال ذاتي …مما يمكنها بسهولة من عقد معاهدات و إبرام إتفاقيات داخلية بينها وبين المؤسسات الوطنية المختلفة ، وخارجية بينها وبين الهيئات الدولية أو المؤسسات التابعة للدول الأخرى …
وهكذا تتعزز مقولة انفتاح الجامعة و مؤسسات التعليم العالي ومن بينها كليات التربية ، على محيطها الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي بفضل الشراكة التربوية و تزداد رسوخا .
و بصفة عامة يمكن أن تعمل أنشطة الشراكة في هذا المستوى على :
- تعزيز استقلال الجامعة ، الاستقلال الإداري و التربوي و العلمي فضلا عن الاستقلال المالي .
- تجهيز مؤسسات التعليم العالي و تزويدها بما هي في حاجة إليه من وسائل مثل المختبرات و ورشات الأشغال التطبيقية و المكتبات و الحواسب و الأدوات السمعية – البصرية ووسائل الاستنساخ …
- فتح القنوات ذات التخصصات المتقاربة و العمل بنظام الوحدات و الساعات المعتمدة في إطار شبكات متكاملة.
- مراجعة البرامج و المقررات وطرق التدريس و نظم القياس و التقويم بما يزيد من مردودية التعليم العالي وفعاليته و يقلل من الفشل و الهدر(الانقطاع والتسرب) فيستجيب للأهداف الوطنية .
- النهوض بالبحث العلمي و توحيد جهود الباحثين و التنسيق بين مراكز البحث العلمي و ربط البحث العلمي بمجالات الصناعة و الفلاحة وغيرها .
- ربط التكوين بالشغل وبالحياة العملية .
- العناية بالأحياء الجامعية و تحسين خدماتها .
- العناية بالأنشطة الطلابية الثقافية و الرياضية و الاجتماعية …
* * *
و في مقابل ذلك يمكن لمؤسسات التعليم العالي بما فيها كليات التربية ، أن تنشط في إطار مشاريع مشتركة سواء مع القطاع العام أو الخاص ، لخدمة المجتمع في المجالات التالية :
- توعية و تثقيف أفراد المجتمع ؛
- محو الأمية و تعليم الكبار ؛
- تداريب الإنماء المهني في مختلف المجالات ؛
- حماية البيئة و تجميلها ،
- برامج التوعية الصحية ؛
- برامج التوعية الطرقية ؛
- برامج التوعية الدينية و الأخلاقية ؛
- تسهيل الاستفادة من خدمات مبانيها و تجهيزاتها ؛
- المساهمة في حل مشكلات المجتمع (…)
4 ـ تخطيط وإنجاز مشاريع الشراكة في كليات التربية ومؤسسات التعليم العالي .
كليات التربية و نظام الشراكة : الواقع و الآمال .
أحدثت كليات التربية بسلطنة عمان كما هو معلوم ، في إطار الاهتمام بإعداد الأطر و الكفاءات العمانية المؤهلة للقيام بوظائف التدريس خاصة في المراحل الأساسية . ويعرف المرسوم السلطاني رقم 42/95 كليات التربية بأنها مؤسسات علمية للتعليم التربوي العالي ، تهدف إلى إعداد المعلمين و المعلمات و تأهيلهم لممارسة مهنة التعليم في مراحل التعليم العام المختلفة بالسلطنة بكفاءة وفعالية ، بما يكفل تخريج جيل من المعلمين تتوافر لديه القدرات و الكفايات المناسبة لمواجهة احتياجات المجتمع العماني و متطلباته من العمل التربوي ، و تحقيق الأهداف التربوية التالية :
1- توحيد مصادر إعداد المعلمين .
2- إنماء قدرة الطالب المعلم على القيام بوظائفه بكفاءة و فعالية و المساهمة في تطوير مجتمعه .
3- المساهمة في تنمية الأطر و القيادات الوطنية في قطاع التعليم .
4- توفير برامج تدريب و تأهيل المعلمين أثناء الخدمة .
5- إجراء و نشر البحوث التربوية و المساهمة في تطوير الفكر التربوي و نشر الاتجاهات و الطرق التربوية الحديثة و تطبيقاتها.
6- تبادل الخبرات و المعلومات و التعاون مع الهيئات و المؤسسات التربوية و الثقافية العمانية و العربية و الدولية .
( عن ” دليل كليات التربية ” ، المديرية العامة لكليات التربية ، وزارة التعليم العالي ، مسقط ، يناير 2001 ) .
هكذا نلاحظ من خلال النصوص المحدثة لكليات التربية في السلطنة ، مدى انفتاح المشرع العماني على أفكار التعاون و الشراكة وإلحاحه على ضرورة انفتاح المؤسسات التعليمية و كليات التربية على وجه الخصوص ، و تعاونها مع الهيئات و المؤسسات التربوية و الثقافية العمانية و العربية و الدولية .
و الحقيقة أن هذه الأفكار تندرج في سياقين مترابطين و متكاملين :
السياق الأول يكمن في خلق شراكة أكثر فعالية للمواطنين و لمؤسسات المجتمع .
في حين يتشخص السياق الثاني في الدعوة بشكل رسمي و صريح ، إلى ضرورة مشاركة القطاع الخاص للقطاع العام لإيجاد صيغة مشتركة لمواجهة التحديات في مختلف المجالات بما فيها المجال التربوي .
لكن ، و كما يعتقد د.عبيد الشقصي (2004) من جامعة السلطان قابوس ، ” فعلى الرغم من أن الحكومة ساهمت و تساهم في دعم القطاع الخاص ماديا لكي يتحمل المسؤوليات المطلوبة منه وفقا لمبدأ الشراكة ” وعلى الرغم من الدعم الحكومي للقطاع الخاص للنهوض بالعملية التعليمية ، إلا أن المتخصصين في هذا المجال ، يرون أن هناك معوقات تحول دون قيام القطاع الخاص بدور فاعل خاصة في التعليم العالي و التخصصي ” .
فإلى أي حد يمكن أن تنجح كليات التربية ومؤسسات التعليم العالي بشكل عام،في الانفتاح على المجتمع و في أقامة مشاريع الشراكة سواء مع القطاع العام أو القطاع الخاص ؟
في الحقيقة وعلى الرغم من ضرورة إجراء دراسات و أبحاث ميدانية للإجابة عن هذا التساؤل ، فإننا حصلنا من قراءاتنا و ملاحظاتنا ، على ما يفيد انخراط كليات التربية وغيرها من مؤسسات التعليم العالي بما فيها مؤسسات القطاع الخاص والتي ازداد عددها وأصبحت تلعب دورا فاعلا في التعليم والتكوين، في سلطنة عمان ، نقول انخرطت بالفعل بنشاط و فعالية،في العديد من برامج تطوير المجتمع و مشاريع التعاون مع مختلف هيئاته و فعالياته و التي سيكون من الصعب عرضها في هذه العجالة .
لكن و بالرغم من ذلك ، لم نستطع الحصول على نصوص اتفاقيات مكتوبة لمشاريع الشراكة بين كليات التربية و بين غيرها من مؤسسات المجتمع، كان بالإمكان الاستشهاد بها فيما نحن بصدده.
لذلك فإننا سنكتفي هنا ، باقتراح خطة مستقبلية متكاملة لتنظيم و تطوير أساليب كليات التربية ومؤسسات التعليم العالي عموما ، بالسلطنة ، للتعاون مع مختلف الهيئات و المؤسسات المحلية و الدولية ، في إطار مشاريع الشراكة .آملين أن تفتح هذه الخطة آفاقا واسعة لتعاون أكثر تنظيما و أطول مددا و أعمق تأثيرا.( د. محمد الدريج 1996 )
نحو خطة متكاملة لتطوير نظام الشراكة في كليات التربية ومؤسسات التعليم العالي بشكل عام :
تتألف هذه الخطة التي نقترحها لتنظيم و تطوير الشراكة التربوية في مؤسسات التعليم العالي بشكل عام و كليات التربية بشكل خاص ، من المراحل و الخطوات الست التالية :
1 ـ مرحلة التهيئة .
2 ـ خطوة التحليل الذاتي والتشخيص.
3 ـ خطوة تحديد الأهداف.
4 ـ خطوة تخطيط برنامج العمل.
5 ـ مرحلة الإنجاز و التنفيذ .
6 ـ التقييم.
وقبل تفصيل الحديث عن هذه المراحل و الخطوات ، نذكر بأنه لا توجد معايير ثابتة ونهائية لمشروع الشراكة النموذجي، ولكن مع ذلك لابد من توفير حد أدنى من المواصفات للمشروع الجيد ، لعل من أهمها :
ـ ينبغي أن يتصف المشروع الذي تلتئم حوله الشراكة التربوية بالشمولية. بمعنى أن يمس جوانب متعددة من النشاط التربوي بحيث يشمل في نفس الوقت تدبير شؤون الكلية المالية و الإدارية ونظام التواصل و العلاقات بين الأطراف الفاعلة، وتنظيم الأنشطة الطلابية و الوضعيات التربوية ـ التعليمية .
- كما ينبغي أن يتسم المشروع بالانسجام بحيث يتجنب التناقض بين الأهداف وبينها وبين إجراءات العمل والتنفيذ والإمكانيات المتوفرة.
ـ و أن تكون مشاريع الشراكة عميقة ، بمعنى أن تواجه المشاكل الحقيقية بجرأة وبعمق، والتي تظهر بعد الدراسة التحليلية والتشخيصية لوضعية الكلية . ولا تبقى المشاريع على مستوى السطح .
ـ أن تكون المشاريع تحديثية تقترح إدخال ترتيبات تجديدية على الكلية وتحسين برامجها وتطوير ما يسود فيها من طرق وتقنيات… وتسمح بالمبادرة والاجتهاد والإبداع والانفتاح.
ـ أن تكون منفتحة، بمعنى تفتح أمام المؤسسة آفاقا رحبة للتعاون والتشارك مع مكونات وفعاليات المجتمع و البيئة المحلية والقدرات الذاتية للمنطقة.
1.4 ـ مرحلة الإعداد و التهيئة:
الإخبار والتوعية وتشكيل فريق العمل
تكمن الخطوة الأولى من خطوات وضع المشروع الذي سيشكل محور التعاون و الشراكة ، في التهيئة والإعداد،إعداد الأطراف المعنية لتقبله والعمل به و تهيئ مجال التطبيق. هذا وتتضمن هذه الخطوة الإجراءات التالية :
- إخبار جميع المعنيين بفكرة المشروع وتوعيتهم بأهميته وأهدافه العامة.
- إخبارهم بالأطراف الأخرى و المحتمل دخولها في الشراكة و دعمها للمشروع .
- إخبارهم بصفة مبدئية ببعض المجالات التي يمكن أن تشكل موضوعا للشراكة .
وتتولى مهمة الأخبار مجموعة أولية للعمل (فريق من المتطوعين من المدرسين وغيرهم فضلا عن مدير المؤسسة…) والتي تتشكل بهدف اقتراح المشروع.
تقوم هذه المجموعة بوضع خطة للإعلام والتواصل، لتسهيل التعرف على المشروع وإدراك غاياته، وتبادل الرأي حوله ومناقشة مختلف جوانبه، فتعقد الاجتماعات وتوزع المنشورات والوثائق الضرورية لذلك.
أما عن تشكيل مجموعة العمل فليست هناك قواعد نهائية لذلك، على أنه يمكن أن تتشكل في البداية من فريق من المتطوعين يمثل مختلف الفئات العاملة في المؤسسة، من مدرسين وإداريين ويمكن أن ينضم إليهم ممثلين عن الطلاب كما يشمل ممثلين عن الطرف الثاني في الشراكة .
وتكون هذه المجموعة الأولية فريقا للقيادة بإشراف من عميد الكلية ، للإعداد لتخطيط المشروع والقيام بعملية الأخبار ويمكن أن ينبثق عنها فريق العمل النهائي والذي سيتولى صياغة المشروع والسهر على تنفيذه.
2.4 ـ مرحلة التحليل الذاتي والتشخيص
تعني هذه المرحلة دراسة تحليلية تشخيصية شاملة لوضعية الكلية ولمشاكلها و احتياجاتها في جميع أبعادها. ويقوم فريق القيادة أو الفريق التربوي (مجموعة العمل) ، بتجميع المعطيات وتصنيفها وتحليلها، ويشمل التجميع الأبعاد التالية :
1 ـ بعد السياق (خصوصيات الكلية ومحيطها ) .
ويشمل :
- خصوصياتها
ـ الشعب
ـ الاختلاط
ـ نوعية التنظيم والتسيير الإداري بها.
ـ نوعية التنظيم التربوي المعمول به.
ـ النشاط الثقافي للمؤسسة وإشعاعها.
ـ تاريخها (…).
ـ محيطها الاجتماعي والاقتصادي
ـ معطيات اجتماعية (الحي و ساكنته…)
ـ معطيات اقتصادية حول المدارات المحيطة بالكلية .
ـ وضعية المؤسسة في خريطة المدينة و الحي .
ـ المحيط التعليمي والثقافي: وضعيتها بالنسبة لمختلف المؤسسات التعليمية بالمنطقة وبالنسبة لمختلف المنشآت الثقافية والرياضية والترفيهية…).
2 ـ بعد الإمكانيات المادية والبشرية .
ـ الإمكانيات المادية :
ـ الحجرات
ـ الساحات
ـ مركز مصادر التعلم .
- الخزانة أو قاعة المطالعة،
ـ المخابر
- قاعة الأنشطة الموازية أو القاعة المتعددة الوظائف …
- المطاعم .
ـ التجهيزات والأدوات التعليمية.
ـ الإمكانيات البشرية
ـ هيئة الإدارة (عددهم، خبرتهم، مهامهم، هواياتهم ).
ـ هيئة التدريس من حيث :
* العدد.
* الخبرة.
* التخصصات.
* الهوايات ومدى انخراطهم في الأنشطة الثقافية…
3 ـ بعد الطلاب .
ـ عددهم .
- توزيعهم حسب المستويات .
ـ توزيعهم حسب السن والجنس والأقسام.
ـ وضعيتهم الدراسية (النجاح، التكرار…).
ـ ميولاتهم الدراسية والمهنية(ميولاتهم نحو مهنة التعليم ).
- هواياتهم .
4 ـ بعد الدعم الخارجي
ـ انخراط بعض الأخصائيين و الخبراء في أنشطة الكلية .
ـ انخراط المهنيين من وزارة التربية و التعليم و وزارة التعليم العالي …
- انخراط المهنيين من وزارات أخرى مثل وزارة الصحة …
ـ دعم الجماعات المحلية والجمعيات والمنظمات (…)
* * *
يقوم الفريق التربوي بعد تجميع المعطيات، بتصنيفها وتحليلها ثم تشخيص المشاكل والصعوبات :
ـ مشاكل ذات طبيعة مادية .
ـ مشاكل ذات طبيعة تربوية .
ـ مشاكل ذات طبيعة تشريعية تنظيمية و إدارية.
ـ مشاكل ذات طبيعة علائقية ـ تواصلية و إعلامية .
ونستند في تحليلنا للمعطيات وتشخيصنا للمشاكل على تحديد جوانب القوة و الضعف ، من خلال الأسئلة التالية :
ما هي جوانب القوة في الكلية ؟
ما هي جوانب الضعف فيها ؟
أمثلة :
ـ نتائج حسنة في الاختبارات النهائية ،
ـ توفر الكلية على إمكانيات بشرية هامة ومتنوعة (من حيث التأهيل و الخبرة و التخصصات العلمية و التقنية و الأدبية و الهوايات…).
ـ توفر الكلية على تجهيزات و مختبرات و حجرات إضافية قابلة للاستعمال في أنشطة المشروع ( قاعات متعددة الأغراض ، مراكز مصادر التعلم ).
ـ محيط الكلية “غني”، اقتصاديا و ثقافيا.
ـ وجود إمكانيات لدى الجماعات المحلية وهيئات المجتمع المحلي .
ـ مدى استعداد السلطات المحلية و المقاولات ( التجارية و الصناعية و الخدماتية ) المجاورة، للتدخل والدعم.
-…
أمثلة :
ـ نتائج الطلاب (أو بعض الأقسام)
ضعيفة ودون المتوسط …
ـ تفشي ظاهرة التكرار والانقطاع .
ـ تفشي ظواهر سلبية مثال الغياب المتكرر…
ـ عزوف الطلاب عن المشاركة الفعالة في حياة الكلية و أنشطتها .
ـ خلل في التواصل وفي العلاقات التربوية بين الأقسام وبين الهيئة الأكاديمية و الإدارية و الطلاب – مشكلات التوجيه و الإرشاد الأكاديمي .
- …
3.4 ـ خطوة تحديد الأهداف
بعد الانتهاء من تحليل وضعية الكلية وتشخيص أهم مشاكلها، ، نقوم بصياغة أهداف المشروع والتي ينبغي أن تسجل في إطار مواجهة تلك المشاكل وبالتالي تذليل الصعاب و القضاء على العراقيل التي تمنع الإداريين و هيئة التدريس من قيامهم بعملهم على الوجه المطلوب.
وتقتضي خطوة تحديد الأهداف مراعاة بعض الشروط ، نذكر أهمها على النحو التالي:
أولا : لابد أن تندرج الأهداف ضمن مخططات العمل بالكلية و ضمن التوجهات العامة لكليات التربية و للتعليم العالي بالسلطنة،
- يختار الفريق التربوي (أو فريق القيادة ) المشرف على مشروع الشراكة تلك الأهداف و يحددها بما ينسجم مع تلك التوجهات العامة .
ثانيا : كذلك عند اختيار الفريق التربوي لأهداف مشروع الشراكة ، لابد وأن يراعي مبدأ الواقعية وإمكانية التحقيق وأن ينتهي إلى اختيار الأهم من الأهداف وترك البقية إلى المراحل اللاحقة.
بطبيعة الحال ، فإن الأهداف التي تستحق العناية قبل غيرها، هي الأهداف التي ترتبط أساسا بنتائج و شروط العمل المادية والمعنوية وتحسين العلاقات التربوية و تطوير المقررات و طرق وأساليب العمل و التقويم و تحسين المناخ الثقافي لكليات التربية .
ثالثا : نكيف بعض الأهداف لتستجيب لخصوصيات الكلية ولتراعي في نفس الآن احتياجات المنطقة والجماعة المحلية من العمل التربوي و الدعم الاجتماعي .
ويمكن أن نستأنس بهذا الخصوص ، بلوائح الأهداف و الكفايات المرغوبة في تكوين المعلمين و المسطرة في اللوائح الرسمية ( انظر ” الكفايات المهنية لمعلم التعليم الأساسي ” ضمن ” الدليل التعريفي بالتعليم الأساسي لكليات التربية ” ، وزارة التعليم العالي ، المديرية العامة لكليات التربية ، 2003، مسقط ) .
وعلى سبيل المثال يمكن التذكير بالأهداف التالية والتي من المفروض أن تنسجم مع لائحة التوجهات العامة :
ـ تحسين نوعية الأداء التعليمي و الرفع من جودته و العمل على إكساب الطلاب المعلمين الكفايات المهنية المرغوبة في إطار الأدوار الجديدة للمعلم.
ـ تحسين التنظيم التربوي والتسيير الإداري للكلية .
ـ إدماج التجديدات التربوية المقترحة في مشاريع الإصلاح ومواءمتها:
مع خصوصيات المؤسسة (أي تطبيق التجديدات التي تقترحها المصالح المركزية في إطار برامج الإصلاح أو تلك التي يجتهد الفريق التربوي في وضعها تمشيا مع المستجدات )
ـ إعادة تخطيط و توصيف المناهج و المقررات لتلائم المستجدات و تطور الاحتياجات ، بشكل مندمج.
ـ إدماج الأنشطة الثقافية و الرياضية و الاجتماعية…لتتكامل مع بقية مكونات المناهج و المقررات و الخطط الدراسية .
* أنشطة التعاون و الخدمة الاجتماعية .
* الأنشطة الموازية.
- إدماج إبداعات الطلاب في الشعر و المسرح و الابتكارات العلمية … بشكل وظيفي في المنهاج العام و في أهداف إعداد و تأهيل المعلمين .
ـ تجهيز الكلية و الرفع من مستوى إمكانياتها المادية.
- دعم الدراسات و البحوث و إشراك جميع الفعاليات فيها و الاستفادة من نتائجها .
- دعم الندوات و المؤتمرات و السيمنارات بالكلية و تشجيع الزيارات و البعثات العلمية إلى الخارج و تبادل التجارب في هذا الإطار .
* * *
- وبطبيعة الحال يمكن أن نضيف إلى هذه المجالات ، تلك التي أسلفنا الحديث عنها ، حين قدمنا بعض الأمثلة عن مواضيع و قضايا يمكن أن تتمحور حولها مشاريع الشراكة وتهدف كلها لخدمة المجتمع ، من مثل برامج محو الأمية و تعليم الكبار و برامج التدريب و التنمية المهنية و برامج التوعية على اختلاف أنواعها و مستوياتها … .
4.4 ـ خطوة تخطيط برنامج العمل :
يتولى الفريق التربوي في هذه المرحلة التخطيط الدقيق لبرنامج العمل الذي سيسير وفقه مشروع الشراكة ، ومن المفروض أن يتضمن هذا البرنامج :
* خطوات الإنجاز.
* الجدول الزمني.
* توزيع المهام.
* توزيع الوسائل والأدوات.
* صياغة وثيقة عمل.
هذا ولابد عند تخطيط برنامج العمل من مراعاة الأهداف العامة للمشروع وكذا أهدافه الخاصة قصد تحقيق أكبر قدر من الانسجام والتلاؤم.
ـ وكذا مراعاة الأسبقيات (الأولويات بخصوص الاحتياجات والمشاكل المطروحة).
ـ ومراعاة التدرج في الانتقال من إجراء إلى آخر، أو على الأقل توفير نوع من المواكبة المنظمة والمتوازية لهذه الإجراءات.
ـ ومراعاة الخصوصيات والالتزام بالنظرة الواقعية للأمور، من حيث الإمكانيات المادية والبشرية ومدى حماس العاملين في المشروع والتزامهم بالحضور والمواكبة.
5.4 ـ مرحلة الإنجاز والتنفيذ
تمتد هذه المرحلة لتشمل المدة المحددة لإنجاز المشروع والتي يمكن أن تستغرق سنتين أو أكثر وقد تصل إلى أربع سنوات.
ويتم الالتزام بمواقيت البدء في العمليات… وعموما يفضل الانطلاق في تنفيذ المشروع مع بداية العام الدراسي ، ويكون واضحا لدى الفريق التربوي التحديد الدقيق لوقت الشروع في كل مهمة بالنسبة لأعضائه وبالنسبة للشركاء الآخرين، ووقت الانتهاء منها، مع إمكانية تقويم النتائج. وهذا التقويم المرحلي يمكن إجراؤه باعتماد بعض المؤشرات والاختبارات وآراء المدرسين و بقية الفرقاء وكذا باعتماد نتائج تفريغ الاستمارات التي توزع على كل المشاركين والمستفيدين من مشروع الشراكة.
هذا ونذكر بأن نجاح المشروع متوقف على مدى حماس والتزام جميع الأطراف المشاركة فيه .
ويكون من الأفضل بالنسبة لكل عملية، تعيين مسئول عنها أو منسق لها من البداية إلى النهاية.
ثم لابد ولتفادي ما يمكن أن يحدث من فتور وملل بمرور الوقت، من التركيز على إبراز النجاحات (النتائج الإيجابية) المحققة جزئيا والتي يتم بلوغها بشكل مرحلي.
6.4 ـ خطوة التقييم
منذ العمليات الأولى لإنشاء مشروع الشراكة، لابد وأن نضع نصب أعيننا المعايير والمؤشرات التي سنعتمدها في تقويم مدى تحقيق الأهداف وبلوغ النتائج المرجوة ونثبت ذلك في وثيقة العمل .
وهكذا فإن عملية التقويم تتم بالمقارنة المستمرة بين النتائج المحققة وبين النوايا الأولية وما خططناه من أهداف وإجراءات. إن عملية التقويم وخاصة التقويم النهائي (الإجمالي) تتم بمقارنة ما توقعناه منذ التشخيص الأولي لمشاكل المؤسسة واحتياجاتها و احتياجات المجتمع المحلي وما حصلنا عليه من نتائج فعلية بتطبيق المشروع .
هذا وينبغي أن يتم هذا التقويم داخل المؤسسة وبمساهمة الفاعلين في المشروع أنفسهم عند الضرورة بالتعاون مع المتدخلين من خارجها.
وبصفة عامة فإن التقويم إما أن ينصب على المشروع في حد ذاته وعلى كيفية وضعه وتطبيقه، أو ينصب على الآثار المباشرة على الطلاب وعلى غيرهم من المستفيدين ومدى تحقق الأهداف الخاصة بالرفع من جودة التعليم و التكوين ومن مردوديته وكفاءته الداخلية والخارجية. أو قد يشمل التقويم الآثار غير المباشرة للمشروع أي آثاره في المؤسسة بشكل عام وفي بيئتها المحلية والصورة التي يمكن أن يكونها عنها مختلف الأطراف والشركاء.
إن تحليل النتائج وتقويمها قد يؤدي إلى تعديل جوهري في كل ما تم إنشاؤه وكل ما تم التوصل إليه ليس من خلال الأخطاء وجوانب الضعف فقط، بل بفضل النتائج الإيجابية ذاتها والتي يمكن أن تؤدي إلى إلغاء سبب وجود المشروع .. أو قد تنتهي إلى اقتراح مشروع جديد.
5- خاتمة و تقييم عام
هناك، بطبيعة الحال، مجموعة من المشاكل التي قد تواجه المؤسسات التعليمية عند محاولتها تطبيق نظام الشراكة التربوية والتي يمكن أن تشكل انتقادا في نفس الوقت لهذا النموذج .
فعندما يتعلق الأمر بشراكة بين مؤسستين تعليميتين أو أكثر من نفس المستوى الدراسي وفي نفس المجال، يكون من السهل تصور ما سيستفيده كل طرف من انخراطه في الشراكة. مثلما يحدث عندما تدخل كلية في شراكة مع كلية أخرى من نفس المستوى ولها نفس الأهداف و المهام . لكن المشكل يطرح بخصوص علاقة شراكة بين كلية أو مؤسسة تعليمية، ومؤسسة من خارج مجال التعليم، مثل الهيآت الاجتماعية والمقاولات الاقتصادية أو المجالس المحلية … ففي هذه الحالة يطرح السؤال ، هل يمكن أن توفر الشراكة تكافؤا في العمل والإنتاج وفي تبادل الخبرات والمعلومات؟
و الحقيقة أن السؤال الذي ينبغي طرحه لمواجهة مثل هذا التحفظ ، هو: هل من الضروري أن يوجد التكافؤ في مثل هذه الحالات، أليس في هذا تضييق لمفهوم الشراكة وحصر لمجالاتها؟
فإذا أخذنا على سبيل المثال، حالة شراكة بين مؤسسة تعليمية ومجلس المحافظة ( أو الولاية )، والذي يمكن أن يساعد مشروع الشراكة ، ماديا ومعنويا ويمدها بالعدة لإنجاحه… فكيف سيستفيد المجلس ( أو الولاية ) من هذه الشراكة؟ بطبيعة الحال ليس من الضروري أن تكون الاستفادة في هذه الحالة مباشرة ومادية، فالمؤسسة التعليمية أو الكلية التي يتعامل معها ، تابعة لرقعته وتوجد في جماعته أي تدخل في نطاق المجلس، والمؤسسة تعمل لفائدة أبناء المنطقة وأبناء الأحياء المجاورة، فالرفع من فعاليتها ودعم أنشطة التجديد بها ، يعني الرفع من مستوى التعليم و التكوين بها و الرفع من مردوديته بما ينعكس بالإيجاب على روادها من الطلاب وعلى المجتمع برمته في المنظور البعيد . إذن الاستفادة هنا متبادلة ، على أن المسألة قد تحتاج إلى مزيد من النقاش حتى يظهر كيف يمكن أن تتبادل مؤسسات من طبيعة مختلفة، الدعم والمعونة في إطار اتفاقيات الشراكة .
كذلك تطرح نفس الصعوبة عندما تدخل مؤسسة تعليمية في علاقة شراكة مع مقاولة صناعية أو تجارية أو غيرها، مثل المكتب الوطني للنقل أو للطاقة والمعادن أو المكتب الوطني للغاز (…) أو غيرها من المقاولات. ففي هذه الحالة يمكن أن يطرح السؤال مجددا عن طبيعة استفادة هذه المقاولات من الشراكة بينها وبين مؤسسة تعليمية، قد لا تعنى مباشرة بتكوين أطر ومهنيين تستفيد منهم هذه المقاولات عند تخرجهم وانتهائهم من التكوين. ألا يمكن أن تتدخل في هذه الحالة اعتبارات أخرى مثل الاعتبارات التجارية أو الاشهارية؟
مسألة أخرى، أيضا وهي وإن كانت ذات طبيعة تقنية إلا أنها لا تقل أهمية عن الصعوبات السالفة ، وهي مسألة الوقت، إننا نعلم أن الساعات المخصصة للمقرر محدودة، وعادة ما يشتكي المدرسون من ضيق الوقت وطول المقررات ، وأن الساعات المخصصة لكل مادة ولكل وحدة دراسية لا تكفي في العادة، فهل سيبقى لأنشطة الشراكة التي سيبرمجها الفريق التربوي ، الوقت الكافي في إطار محدودية البرامج؟ هل سيكون هناك وقت للبحث عن الشركاء واختيار المشروع المناسب والمناقشة مع مختلف الأطراف وتحديد الأهداف والبحث عن الوسائل، وإنشاء لجان وفرق تربوية للعمل وعقد الاجتماعات… فكل ذلك يحتاج إلى مجهود ووقت… فمن أين لنا به، وهل يمكن أن يختزل من وقت المدرسين و الإداريين ومن استعمالات الزمن؟
* * *
وفي جميع الأحوال ومهما تكن الكيفية التي سنتغلب بها على مثل هذه المعوقات ، فإن هناك مسألة أساسية يجب ألا تغيب عنا،وهي ما مدى الحرية المتروكة للكليات وما مدى استعداد الإدارة والمصالح المركزية لقبول مشاريع الشراكة ؟ وما حدود تدخل هذه المصالح ومراقبتها وتحكمها في تلك المشاريع ؟
إننا نعتقد لنجاح خطة الشراكة التربوية ، في ضرورة توفر قدر من الاستقلال الذاتي للكليات وسيادة الحوار في العلاقات داخل المنظومة التعليمية، إن الإيمان باللامركزية وبالمبادرة الحرة والاجتهاد و التعاون لابد أن ترافقه ممارسات تشجع بالفعل على التحرر من الروتين الإداري .

إعداد : أ.د. محمد الدريج
كلية علوم التربية – جامعة محمد الخامس – الرباط


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لدى || السياسة الخصوصية || Contact US || اتصل بنا

تعديل : Jaouad Saidi