المجلس الأعلى يرفض بالإجماع وثيقة تقترح إلغاء مجانية التعليم



ناقش المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في دورته التاسعة المنعقدة يوم الأربعاء والخميس الماضيين، قضايا تتعلق بتقويم أداء المجلس منذ تعيينه، وكذا قضايا إشكالية أخرى ما زال المجلس لم يحسم فيها، وعلى رأسها معضلة التمويل، وهي إحدى القضايا المهمة التي أجل المجلس الحسم فيها في الرؤية الاستراتيجية المقدمة للملك محمد السادس في ماي الماضي. أهمية مسألة التمويل من الناحية القانونية، تأتي من كونها ستكون موضوعا رئيسيا في القانون الإطار الذي تنكب لجنة، يترأسها مستشار لرئيس الحكومة، لتصبح توصيات الرؤية الاستراتيجية ذات طابع إلزامي للقطاعات الحكومية ذات الصلة بالتعليم، مهما كانت طبيعة الحكومات التي ستفرزها صناديق الاقتراع في غضون 15 سنة القادمة.

رفض المساس بالمجانية
أكدت مصادر الجريدة من داخل المجلس الأعلى أنه، وخلافا لما تم ترويجه إعلاميا على نطاق واسع مؤخرا، فالمجلس لم يحسم قط في مسألة التمويل، لكنه رفض بشكل مطلق إلغاء المجانية كحل من حلول هذه المعضلة. لذلك لم يصدر المجلس أي توصية تمس مجانية التعليم في المغرب. بل ناقش مشروع توصيات كانت قد أعدتها اللجنة الدائمة للحكامة، والتي تترأسها مديرة أكاديمية الرباط السابقة التيجانية فرتات، وتهم تنويع مصادر تمويل المنظومة، مستحضرا التصريحات المعلنة لأعضاء من الحكومة يعلنون فيها صراحة عدم قدرة الحكومة على تحمل مسؤولية ذلك. حيث خلص النقاش، حسب المصادر ذاتها، داخل الجمعية العامة، إلى إرجاء الموضوع إلى حين استكمال دراسة خاصة تشرف عليها اللجنة، بمشاركة خبراء ومختصين حول نفس الموضوع، خاصة، تضيف المصادر، أن المعطيات غير كافية وشروط بناء توصيات مؤسسة ومتماسكة غير متوفرة، لذلك فمشروع التوصيات التي تم اقتراحها كان الهدف منها تقديم المزيد من التدقيق بخصوص ما سبق وروده في الرؤية الاستراتيجية حول موضوع التمويل. وعن أهمية مناقشة الموضوع في هذه الدورة، أكدت ذات المصادر، أن اللجنة التي تعكف على وضع القانون الإطار الذي ينتظر أن يشكل الغطاء القانوني لأجرأة وتنفيذ رافعات الإصلاح المتضمنة في الرؤية، مضطرة لتضمين مسألة التمويل ضمن القانون الإطار. لذلك فالجمعية العامة ارتأت الاكتفاء بما ورد في الرؤية في طابعه الاستراتيجي العام، مع الرفض التام للمس بمجانية التعليم، وخاصة في السلك الثانوي والعالي.

وثيقة مجهولة المصدر توتر الأجواء
النقاش حول مسألة التمويل مر في أجواء متشنجة جدا، تقول مصادر الجريدة، سيما بعد ظهور مقترح تضمنته وثيقة مجهولة المصدر، اقترحها رئيس المجلس عمر عزيمان أن تكون منطلقا للنقاش في الجمعية العمومية، تدعو بشكل واضح لمراجعة مسألة المجانية، خاصة في التعليمين الثانوي والمدرسي، مع رفض رسوم مرتفعة للتسجيل في مرحلة أولية، ثم تطبيق تعريفة معينة كشرط للدراسة في الجامعات والثانويات. حيث تعرضت الوثيقة لهجوم شرس من أغلب مكونات المجلس الأعلى.
المصادر أكدت أن ممثلي النقابات المسماة «الأكثر تمثيلية»، طالبت رئيس المجلس بالكشف عن مصدر الوثيقة، لكونها تمثل تحولا «خطيرا» بحسب أحد ممثليها، سيما وأن التصريحات الصادرة عن وزراء الحكومة وكذا التصريحات الكثيرة لرئيسها، والتي ادعوا فيها عدم قدرة الميزانية العامة على تحمل تكلفة التعليم والصحة، قد رجحت أن تكون الوثيقة مقدمة من مصدر حكومي، وأنها كانت مجرد «بالون اختبار» يجسد توجها لا تخفيه الحكومة. وآخر هذه التصريحات، تصريح الوزير السابق لوزارة التربية الوطنية، بهذا الأمر، ثم تصريحات واضحة أدلى بها زميله في التعليم العالي يوم السبت بمدينة الراشيدية، والتي قال فيها «اللي بغا يقري ولادو يدير يديه في جيبو». لذلك تقول المصادر ذاتها إن النقابات كانت تنتظر فقط تصريحا رسميا يؤكد أن الحكومة هي مصدر الوثيقة، بالرغم من تأكدها من الأمر. نظرا لكون أجواء النقاش كانت تتجه للمزيد من الاحتقان، لذلك فضل رئيس المجلس عمر عزيمان أن ينسبها لنفسه، مصرا على عدم الكشف عن مصدرها.

معضلة التمويل أمام مختلف الخيارات
سبق لجريدة «الأخبار» أن نشرت ملفا متكاملا عن معضلة التمويل مباشرة بعد صدور الرؤية، استنادا إلى تصريح أدلى به خبير معتمد لدى المجلس، وصف فيه مسألة التمويل بكونه «مسكوتا عنه» في الرؤية، إذ أن الإجماع الذي جسدته رافعاتها قد لا تتحقق في مسألة التمويل، سيما في وجود آراء متناقضة في هذه المسألة، بين مدافع عن ضرورة استمرار الدولة في تحمل مسؤوليتها الكاملة في إصلاح المدرسة، مستند إلى ما جاء في الخطابات الملكية في السنوات الأخيرة، والتي تنتصر بوضوح للمدرسة العمومية. ورأي مناقض يطالب بإدماج الأسر المغربية في تمويل المدرسة، مستندا إلى واقع أن أغلب الأسر المغربية تواجه فشل المدرسة العمومية بحلولها الخاصة، والمتمثلة إما في تسجيل أبنائها في المدارس الخاصة، حيث ترتفع سنويا نسبة التلاميذ المتمدرسين في هذا القطاع، أو الاعتماد على الساعات الإضافية المؤدى عنها، والتي تكلف هذه الأسر أموالا طائلة.
أما عن الخيارات التي يتم التفكير فيها داخل لجنة الحكامة، فأكد الخبير ذاته للجريدة، أن الخيارات مفتوحة، لكن الثابت هو أنه تم الاتفاق على تنويع مصادر التمويل، وتبقى إمكانية فرض ضريبة من أجل المدرسة، على غرار الضريبة التي يتم اقتطاعها من أجل قضية الصحراء المغربية خيارا من الخيارات. علما أن الحكومة كانت واضحة جدا أثناء إعداد قانون ميزانية 2016 في عدم إدراج تمويل إصلاح التعليم ضمن الأولويات. فإذا كان هذا يطرح سؤالا حول مصداقية الحديث عن الأسبقية الوطنية لقطاع التعليم، فإن هذا يفرض على المجلس التعامل بواقعية أكبر مع هذا الوضع الحكومي، السياسي والاقتصادي، الذي لا يضع التعليم ضمن أولوياته. هكذا فقانون المالية الحالي لم يأخذ بعين الاعتبار ما جاء في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، والذي نبه لأهمية إصلاح قطاع التربية والتكوين، استنادا لرؤية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. غير أن المشروع لم يجعل قطاع التربية والتكوين من أولوياته. حيث استمرت الحكومة في رصد الميزانية ذاتها تقريبا للقطاع، علما أن الشق الأكبر منها يخصص للجانب الاجتماعي. وهذا يعد في حد ذاته وجها من أوجه قصور المقاربة الحكومية في قطاع التعليم. إذ غالبا ما يستهلك الدعم الاجتماعي الجزء الأكبر من ميزانيات القطاعات المرتبطة بالتعليم. في حين أن ما يتعلق بالجوانب التربوية والتدبيرية دائما ما تكون ميزانياتها ضعيفة. وهذه ملاحظة يمكن تعميمها على البرنامج الاستعجالي ذاته. إذ أن المؤشرات التربوية للبرنامج ظلت ضعيفة جدا إذا ما قيست بمؤشرات ذات العلاقة بالجانب الاجتماعي. إذن فمشروع قانون المالية، لم يعط للتعليم مكانته كأسبقية وطنية. في حين حافظ على نفس المزانية المخصصة للجانب الاجتماعي من القطاع دون الجوانب الأخرى المتعلقة بتعويض الخصاص الكبير المسجل في صفوف نساء ورجال التعليم.

الحكومة حسمت في عدم التمويل
تستمر الحكومة في نظرتها لقطاع التعليم، بصفته قطاعا اجتماعيا وليس تنمويا، حيث سيتم رفع الدعم المخصص لبرامج «تيسير» ليبلغ عدد التلاميذ والتلميذات المؤهلين للاستفادة منه 828.400 تلميذ وتلميذة، ناهيك عن برنامج «مليون محفظة» في إطار المبادرة الملكية الذي سيصل عدد المستفيدين منه إلى 3,91 مليون تلميذ وتلميذة. وهما مشروعان كما نعلم يدخلان في إطار ما يسمى بـ«صندوق دعم التماسك الاجتماعي». وبالتالي استمرار استهلاك الجوانب الاجتماعية لشق مهم من سياسة الحكومة في القطاع، دون أن يشمل ذلك جوانب تتطلب تمويلا ضخما، ذاك المتعلق بالبرامج والمناهج، وتشجيع تعلم اللغات والقضاء على الخصاص المهول في الموارد البشرية، فضلا عن الميزانية الضخمة التي يتطلبها التكوين الأساس والمستمر لنساء ورجال التعليم. كما أن المشروع لم يواكب ما تتطلبه الرؤية الاستراتجية للمجلس الأعلى، بصفته مؤسسة دستورية، من مجهود مالي وتعبوي كبير.

المصطفى مورادي
عن جريدة الأخبار





تعليقات

المشاركات الشائعة